Site icon مجلة المزمار العربي

أطبّاء أيّام زمان ذهب

غلاف "البئر الأعمى" ـ قصص طبيّة وحكايات أخرى

البئر الأعمى

قصص طبيَّة وحكايات أخرى

ننشر بدءاً من اليوم ما تضمنه الكتاب الأخير للدكتور محمد الحاج صالح “البئر الأعمى” ـ قصص طبيّة وحكايات أخرى.

هذا الكتاب

في كتابه الجديد، هذا “البئر الأعمى: قصص طبيّة وحكايات أخرى”، يواصل الكاتب والطبيب محمد الحاج صالح متابعة مساره الأدبي الخاص الذي يتقاطع فيه السرد بالحياة اليومية، والعلم بالمفارقة، والطرافة بالحكمة. هذه المجموعة القصصية ليست مجرد حكايات من المهنة أو السيرة، بل هي سجل سردي حافل بالتأملات في التجربة الإنسانية كما رآها الطبيب والإنسان معاً، في العيادة والقرية والمدينة، في لحظات الألم والشفاء، وفي مفارق الحياة والموت.

يكتب الحاج صالح من موقع مزدوج: الطبيب الذي يعرف تفاصيل الجسد، والراوي الذي يلتقط خفقات الروح. في قصص مثل «العلق» و «أطباء أيام زمان”، و”هل تنبت المرارة من جديد؟»، و”وفاة محمود الحميش” نجد مزجاً بديعاً بين السخرية والمأساة، بين الواقع والتأمّل الأخلاقي، بحيث تتحول التجربة الطبية إلى مادة أدبية عميقة تتجاوز حدود التوثيق المهني لتصبح تأملاً في هشاشة الإنسان، وعبث القدر، وحدود المعرفة.

يُبدع الكاتب في رسم الشخصيات الريفية والعادية، تلك التي تقف على تخوم الوعي الشعبي والبداهة الفطرية. لغته تتأرجح بين السرد الحكائي البسيط الموشّى بمفردات الحياة اليومية، وبين الجمل المحكمة التي تكشف عن خلفية ثقافية واسعة. وما يميّز أسلوبه هو السخرية الهادئة والصدق المؤلم: سخرية الطبيب الذي رأى كثيراً، وصدق الإنسان الذي لم يفقد الدهشة.

من خلال هذه القصص، يقدّم الحاج صالح بانوراما عن التحولات الاجتماعية في سوريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، من الريف إلى المدينة، من الفقر إلى الاغتراب، ومن الطب الشعبي إلى الحداثة الطبية، ولكن من دون تنظير أو تقريرية. إنّ ما يجمع نصوص هذه المجموعة هو الإيمان بالكتابة كنوع من العلاج، لا للجسد وحده بل للذاكرة والوجدان أيضاً. فالقارئ يخرج من هذه الصفحات وقد لمس كيف أن الطبّ حين يُروى يصبح اعترافاً إنسانياً عميقاً، وكيف أن الحكاية تصبح هي الأخرى أداة شفاء.

“البئر الأعمى” مجموعة متقنة الصنعة، تذكّرنا بقدرة الأدب العربي الحديث على تحويل التجربة اليومية إلى فنّ رفيع، وبأن الطبيب، حين يكتب، يمكن أن يكشف عن نبض الحياة أكثر مما تفعله تقارير المختبرات. إنّها كتابة تمزج بين العلم والعاطفة، بين السرد الواقعي والحكمة الساخرة، في لغة شفافة لا تخلو من العمق الفلسفي.

الناشر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أطبّاء أيّام زمان ذهب

ـ 1 ـ

د. محمد الحاج صالح

كان مثل هذا يحدثُ في سوريا أوائل ثمانينيات القرن الماضي، فإمّا أن مهنة الطبّ كانت ناقصة التنظيم، أو أنّ ضمائر الأطباء كانت ضعيفة ضامرة. أنا شخصياً أخجل من إيراد هذه المعلومات. سترون أنّني مُحقٌّ.

فلْندخل في صلْب الموضوع من دون مواربة.

يتذكّر الناسُ في أريافنا وبلداتنا الريفية أنّ المريض كان يأبى أن يخرج من عيادة الطبيب دون أن يُحقن بحقنة أو «إبرة» كما يُسميها العامّةُ. كانت الإبرةُ هي العلاج وما عداها من شراب، وحبوب، فنوافلٌ يُمكن الاستغناء عنها.

كأنّ الأطباء استمرأوا اللعبة، وربما كانوا هم الذين اخترعوها. فقد كانوا يقتنون ثلاثة أنواع من “الإبر”. الأولى “فلاكونة” من بودرة “الستربتومايسين». و الفلاكونة تعني أن الزجاجة الحاوية على الدواء لها سدادةٌ من البلاستيك. عندما تُحلّ البودرةُ يَنتج سائل ثخين مائل للصفرة، الثانية زهرية اللون في زجاجة صغيرة … يكاد يصعد من أنفه، وأن انفلاتاً في مصرّاته يوشك أن يحدث، سيشعر المريض بكلّ هذا إذا ما جرى الحقن بسرعة. ثوانٍ ويعود الجسد إلى حالته الطبيعية.

ما إن تخرّجنا، نحن الجيل الجديد من الأطباء المزهوّين بعلمنا، حتى اصطدمنا بتلك الممارسة. شرعنا بدعاية محمومة ضد تلك الإبر. لكننا أُحْبطنا عندما رأينا الناس يتجنّبونا غير مُصدقين ادعاءاتنا في أن حقن الإبر ما هو إلّا شعوذةٌ.

نعم، هناك أمراض تحتاج إلى الحقن إنما هي محصورة ومعروفة. وكذلك يجب أن لا يكون الحقن دورياً إلا للضرورة القصوى. تلك كانت حججنا. لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود!

أُسقط في أيدينا، واشتكينا للنقابة، التي كانت لجنتها الإدارية من الأطبّاء العتيقين أصحاب الإبر. لم يجادلونا، لكنهم احتجوا أن الناس لن يقبلوا علاجاً من دون حقن.

أذكرُ مرة ونحن في قلب الجدل حول تلك الممارسات وأمثالها في مقرّ النقابة، حين حضر شيخٌ يبحث عن أحد أطبّائنا العتيقين، وإذ وجده بيننا. قال:

ـ يا دكتور ذهبت إلى العيادة، فما وجدتك… واليوم موعد الإبرة. نسيتني!

أخرج تلك “الأمبولة” المكوّنة من الفيتامين C والكالسيوم، وشرع فوراً بالتشمير عن ذراعه.

قلتُ وأنا في أشدّ الحنق، لأنني أدركتُ أن زميلي الأقدمُ يحقن هذا الرجل في مواعيد ثابتة:

ـ يا عمْ تكرار هذه الإبر ضارّ… وإذا ما حُقنت بسرعة ربّما أدت إلى توقّف القلب.

قال الشيخ باستغراب واستهانة وهو يعلم أنني لا بدّ وأن أكون ابن أحد معارفه:

ـ ابن من هذا الولد؟

ارتبكتُ وشعرتُ أنني أتصاغر، وأعجز عن الكلام. ثم أزدادُ اضطراباً بسبب الكلمات اللئيمة التي لفظها الطبيبُ ذاته الذي وصف الدواء وهو يتصنّع المزاح:

 ـ هذا… ابن الحاج فلان. وهو طبيب مثله مثلي!

نبر الشيخ جاداً:

ـ يخسأَ … من يقارن الذهب بالنحاس؟! أنتم الأطباء القدامي ذهب.

ذهب خالص… أما أولاء… الجدد! وكأنه استكثر علينا النحاس)….

تَنَكْ … إي والله تَنَكُ.

طبيب سوري مقيم في النرويج

Exit mobile version