Site icon المزمار الجديد

الآباء ضحايا قسوة الأبناء

حسن ططري

لم تعد الإساءة إلى كبار السن حادثة عابرة تُروى على استحياء، ولا سلوكاً فردياً يُعزى إلى طيش أو جهل، بل غدت ظاهرة مقلقة تتكاثر في صمت، وتطفو على سطح حياتنا الاجتماعية بوجوه شتى، حاملةً معها قدراً هائلاً من الخزي والأسى. صرنا نقرأ ونسمع ونشاهد، بلا عناء، صوراً موجعة ترفضها الفطرة قبل أن يرفضها المجتمع، وتشمئز منها القيم الإنسانية في أصفى تجلياتها: أبناء يتنكرون لآبائهم، وأحفاد يخذلون جذورهم، وكبار سن يُعاملون كأعباء ثقيلة لا كذاكرة حيّة، ولا كقلوب أفنت أعمارها حبّاً وعطاءً.

هؤلاء الذين يُساء إليهم اليوم، هم أنفسهم الذين لم يبخلوا يوماً بحضن، ولا ترددوا لحظة في التضحية. هم الذين نذروا أعمارهم ليصنعوا لأبنائهم حياة أرحب، وراحوا يكدّسون تعبهم في أيامهم، ويذخرون شقاءهم في لياليهم، كي لا يعرف الأبناء معنى الحرمان. وفروا المال لا ترفاً، بل أماناً، وسهروا الليالي الطوال لا استعراضاً، بل خوفاً وحرصاً. وقفوا سداً منيعاً في وجه قسوة الأيام، وواجهوا سوداوية الواقع بشجاعة صامتة، كي يعبر أبناؤهم إلى ضفة الحياة الكريمة بأقل قدر من الخسائر.

بحضور الكبار، يظل الصغار صغاراً مهما ادّعوا النضج، ومهما بلغوا من مال أو جاه. فالكِبَر الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بالوعي والوفاء. غير أن المأساة لا تكمن في مرور الزمن، بل في هذا التردي المخيف الذي أصاب منظومة القيم، وفي هذا الانهيار الصامت لروح العائلة. واقع محزن متخم بالوجع، نلمسه بأعيننا المجردة في أخلاقنا، وفي عاداتنا، وفي تلك الروابط الاجتماعية التي كانت، يوماً، مصدر دفء وأمان، فإذا بها اليوم تتآكل وتبهت، وتفقد معناها الإنساني العميق.

ننظر بحسرة إلى زمن يمضي سريعاً، ونكتشف ـ بعد فوات الأوان ـ أن كبار السن لم يُمنحوا ما يستحقونه من اهتمام واحترام. كأن المجتمع، في اندفاعه المحموم نحو الاستهلاك والسرعة، نسي أن الوفاء ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الإنسانية. كان الأجدر بهذا الجيل، على أقل تقدير، أن يردّ الجميل لمن فرشوا أجسادهم جسوراً لعبور أبنائهم، وأن يختار طريقاً قوامه المحبة والدفء والوفاء، لا الجحود والأنانية.

اليوم، تتلاشى الجوانب الأسرية شيئاً فشيئاً، ويصيبها ترهّل خطير، حتى باتت العلاقات داخل البيت الواحد هشّة، باردة، ومجردة من معناها. علاقات لم يَعد المجتمع يتقبلها، لأنها تُفرغ الأسرة من دورها الطبيعي، وتحولها إلى مساحة صراع بدل أن تكون ملاذاً آمناً.

إن ظاهرة الإساءة إلى كبار السن تتخذ أشكالاً متعدّدة، تبدأ بالإهمال والتجاهل، ولا تنتهي عند العنف اللفظي أو الجسدي. هي نتيجة حتمية لانهيار منظومة القيم، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع الحسّ الإنساني. مشاهد يومية تدمي الوجدان: أب يُهان، أم تُترك وحيدة، مسنّ يُعامل كحمل زائد. وتأتي وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي لتكشف لنا، بلا رتوش، مدى الانحدار الذي بلغناه، حتى تجاوز بعض الأبناء حدود الأدب والإنسانية، واختاروا التخلّص من آبائهم بدلاً من احتضانهم، أو التباهي بهم والاعتزاز بتاريخهم.

بلغ الانحراف ذروته في قصص لا يصدقها عقل: ابن يقتل أباه المسنّ تهرباً من أعبائه المادية، أو حفيد يقتل جدّه بدافع السرقة. صور مأساوية لا يمكن تبريرها أو استيعابها، لأنها لا تمثل مجرد جريمة فردية، بل إعلان فاضح عن شيخوخة الضمير الجمعي.

الواقع أن أخلاقنا وعاداتنا الاجتماعية تشهد تراجعاً مرعباً، ولم تعد الصورة المشرقة التي طالما اعتزّ بها العرب حاضرة في سلوك الجيل الناشئ إلّا نادراً. وهذا، بحق، ما يدعو إلى الأسى والخوف معاً.

إن الاهتمام بكبار السن لم يَعُد خياراً أخلاقياً، بل ضرورة إنسانية ملحّة. هو واجب يحتم علينا حمايتهم، والاعتناء بهم، وتأمين حياة كريمة تليق بما قدموه. فالمجتمع الذي لا يحترم شيخوخته، محكوم عليه بأن يشيخ مبكراً… بلا ذاكرة، وبلا روح.

إعلامي سوري مقيم في النمسا

Exit mobile version