نواف يونس
لا يزال النقاد والأدباء يختلفون حول مفهوم مصطلح التناص في الإبداع عموماً، فمنهم من يظن أنه الأخذ والاستعانة أو التضمين، ومنهم من يرى أنه الانتحال والاقتباس، والبعض يصنفه في باب السرقة، إلا أن الفرقة الكبرى منهم، تعتقد أنه تفاعل وتأثر عبر المسيرة الأدبية، وهو ما يدل على رقي الثقافة الإنسانية وتطورها إبداعياً، من عصر إلى عصر، والرأي الأخير ربما حل إشكالية كبيرة في هذا المجال، إذ وصل الأمر أحياناً إلى اتهام المبدعين بالاستيلاء والسطو على نصوص الشعراء والأدباء، كما نطالع بين حين وآخر، حتى طالت التهمة أغلب المبدعين العرب، من المتنبي وأقرانه، مروراً بأمير الشعراء أحمد شوقي ورفاقه، وصولاً إلى وقتنا وعصرنا الحالي.
وأكثر من أجادوا وعبروا عن مفهوم مصطلح التناص، بعيداً عن القول التقليدي بوضع «الحافر على الحافر» في رأيي، الناقد والكاتب عزت عمر، الذي له من الإصدارات النقدية ما يربو على الثلاثين مؤلفاً، إلى جانب كتبه في الرواية والقصة وأدب الطفل، فهو في كتابه «النص المسافر»، أوضح بجلاء أن النص الإبداعي ارتبط إنسانياً على المستويين الفردي والجمعي بتواصل دائم ومستمر بين الثقافات جميعها، لأن المبدع غالباً ما يستقبل النصوص الأخرى، ويعمل على إعادة إنتاجها وفق ثقافته زمانياً، ومن خلال تفاعله وتأثره، سواء أكان شعرياً أو سردياً أو فنياً، والدليل على ذلك مدى التأثر الإنساني بروائع الأدب الخالدة مثل (الإلياذة والأوديسة، ودون كيشوت، وزوربا، ومعطف جوجول، وألف ليلة وليلة، ورسالة الغفران، وكليلة ودمنة، وحي بن يقظان)، إضافة إلى تأثر المدارس، والتيارات من الواقعية والرومانسية والسريالية والتفكيكية والبنيوية والوجودية وغيرها، من تلك الاتجاهات والتنظيرات التي برزت في مسيرة الأدب والإبداع عربياً وعالمياً، وكانت وراء استمراره وتألقه.
وقد أشار عزت عمر في أكثر من موضع إلى أهمية هذا التفاعل الإنساني أدبياً وعلمياً، متمثلاً في العصر العباسي، وما واكبه من تطور الحضارة العربية في جل المجالات، بعد أن أحسنوا فهم وهضم الحضارة اليونانية وأسهموا في إضافات كثيرة، ما عاد على البشرية والحضارة الإنسانية بذلك التقدم المذهل الذي أعقب عصور الظلام في القرون الوسطى الأوروبية، ومن ثم الانتقال إلى عصر النور والتطور على كافة المجالات فكرياً وطبياً، وهندسياً وفلسفياً وإبداعياً.
ولم يكتف عزت عمر بتوضيح مفهوم التناص نقدياً وحسب، بل عمد إلى إبعادنا وتفادي الوقوع في ورطة أخلاقية لمصطلح عادة ما يحدد مفهومه طريقة تفكيرنا وتطورنا نظرياً وتطبيقياً، زمانياً ومكانياً، أثناء محاولاتنا الوصول إلى الحقيقة، فتناول التناص أيضاً من جانب التقنيات الفنية للنص الإبداعي، من خلال متابعته لبنيته الرمزية ودلالاته الفكرية والمكان والزمان، ومستويات السرد، وبناء الشخصيات، والحدث وتصاعد الحبكة الدرامية، وهو ما أبرز أهمية هذا التفاعل الإبداعي وتأثيره في تطور هذه التقنيات خلال هذه المسيرة الطويلة، منذ الحكاية الأولى والأسطورة، إلى الشكل الحديث لهذا النص، ما يدعونا بالضرورة إلى الرؤية والتأني في إصدار الأحكام من وجهة نظر بعين واحدة، كما لم تفته الدعوة إلى أن الثقافة الإنسانية ماضية في تقدمها عبر تفاعلها الإيجابي، وتأثيرها المتبادل نحو بناء حضارة إنسانية مبدعة حقاً، خصوصاً مع ما نعيشه من نهضة رقمية تنطوي على ازدهار على المستويين الأدبي والفني.
تحية لروح زميلنا عزت عمر الذي رافقنا وشاركنا في نجاحات مجلة «الشارقة الثقافية»، قبل أن يترجل عن صهوة الحياة، ولدوره المهم في إلقاء الضوء على الكثير من الكتابات والنصوص الإبداعية، برؤيته النقدية المتقدمة، كأحد النقاد والأدباء الذين حظوا باحترام المشهد الثقافي، عبر المكانة والمقام الذي وصل إليه، سواء على مستوى الكتابة الأدبية أو النقدية، بعد أن قدم الكثير من عمره وعلمه وجهده، منذ بداية التسعينيات من القرن الفائت، متفاعلاً ومؤثراً في المشهد الإبداعي العربي، من خلال النص المسافر في كل الدنى.
مؤلف مسرحي وناقد وأديب سوري

