Site icon المزمار العربي

الدوحة في القلب

عبد الكريم البليخ

ثمّة مدن نزورها فنغادرها كما دخلناها، تمرّ في ذاكرتنا مرور العابرين، فلا تترك سوى صور متناثرة تتلاشى مع الأيام. وثمّة مدن أخرى لا تكتفي بأن نستقر فيها لبعض الوقت، بل تستقر هي فينا، وتصبح جزءاً من حكايتنا الشخصية، وركناً دافئاً من ذاكرتنا كلما أوغلنا في العمر وازدادت بنا المسافات. والدوحة، بالنسبة إليّ، كانت واحدة من تلك المدن التي تجاوزت حدود المكان، لتصبح حالة إنسانية ووجدانية يصعب نسيانها.

زرت قطر أربع مرات، وكانت آخر زيارة لي في أواخر عام 2022، حين عاشت البلاد فرحة استثنائية باحتضانها بطولة كأس العالم لكرة القدم في نسختها الثانية والعشرين. يومها لم تكن الدوحة مجرد مدينة تستقبل حدثاً رياضياً عالمياً، بل كانت واجهة حضارية مشرقة أظهرت للعالم وجهاً عربياً قادراً على الإبداع والتنظيم والانفتاح واحترام الآخر. كانت الشوارع تنبض بالحياة، وتلتقي فيها ثقافات العالم ولغاته، لكن روح المكان ظلت عربية أصيلة، تحتفظ بملامحها رغم كل هذا الزخم الإنساني.

أما زيارتي الثالثة فكانت عام 2008، عندما انتقلت للعمل في صحيفة «الشرق» بقسم التحقيقات الصحفية، تحت إشراف الزميل والصديق الراحل منتصر الديسي، رحمه الله، الذي كان مثالاً للمهنية العالية والخلق الرفيع والإنسانية النادرة. تعلمت منه الكثير، ليس في الصحافة وحدها، بل في كيفية التعامل مع الناس واحترام اختلافاتهم والنظر إلى العمل بوصفه رسالة قبل أن يكون وظيفة.

في تلك المرحلة، لم تكن الدوحة مجرد مدينة أقيم فيها أو مؤسسة أعمل ضمنها، بل كانت مدرسة حياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ففي أروقة الصحافة التقيت إعلاميين ومثقفين وكتّاباً من جنسيات عربية متعددة، وجمعتني بهم حوارات طويلة حول الثقافة والسياسة والإعلام وقضايا الإنسان العربي. كانت تلك اللقاءات تفتح نوافذ جديدة للفكر، وتمنح المرء شعوراً بأنه يعيش في فضاء عربي واسع يتجاوز حدود الجغرافيا.

ومن خلال الجولات الميدانية التي قمت بها داخل الدوحة وخارجها، تعرّفت إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس. رأيت كيف تتعايش الحداثة مع التقاليد، وكيف استطاعت المدينة أن تحافظ على هويتها وهي تمضي بخطى متسارعة نحو المستقبل. كنت أرى الأبراج الحديثة تعانق السماء، لكنني في الوقت نفسه ألمح في الوجوه روح البساطة والوفاء للقيم التي نشأ عليها المجتمع القطري.

غير أن أكثر ما بقي عالقاً في الذاكرة لم يكن الأبراج ولا الشوارع الواسعة ولا المشاريع العملاقة، بل الناس أنفسهم. أولئك الطيبون الذين قابلتهم في العمل وفي الأسواق وفي المجالس وفي تفاصيل الحياة اليومية. وجدت بينهم كرم النفس قبل كرم الضيافة، والتواضع قبل الثراء، والمحبّة قبل المصالح. كانوا يمنحونك شعوراً صادقاً بالألفة، ويجعلونك تشعر بأنك بين أهلك لا في بلدٍ بعيد عن موطنك.

ولعلّ أجمل ما يميّز المجتمعات الأصيلة أنها لا تُقاس بحجم ثرواتها أو عمرانها أو إنجازاتها الاقتصادية فحسب، بل بما تحافظ عليه من قيم إنسانية في زمن تتبدل فيه القيم بسرعة مقلقة. وقد شعرت دائماً أن أهل قطر نجحوا في تحقيق معادلة صعبة؛ فهم انفتحوا على العالم دون أن يفقدوا جذورهم، وواكبوا العصر دون أن يتخلوا عن أصالتهم، واحتضنوا الآخر دون أن يتنازلوا عن هويتهم.

إنَّ الدوحة بالنسبة إليّ ليست مجرد مدينة زرتها وعملت فيها، بل تجربة إنسانية وثقافية تركت أثراً عميقاً في النفس. وكلما استعدت تلك السنوات، حضرت وجوه الأصدقاء والزملاء وأهل المروءة الذين التقيتهم هناك، فعادت الذكريات حيّة كما لو أن الزمن لم يمضِ.

ولهذا تبقى الدوحة في القلب؛ مدينةً علّمتني أن جمال المدن لا يُقاس بعدد أبراجها ولا اتساع طرقاتها، بل بما تتركه في أرواح زائريها من محبة وامتنان. وستظل، في ذاكرتي، مكاناً يرتبط بالدفء الإنساني والكرم العربي الأصيل، وصورةً مشرقة لوطن عرف كيف يجمع بين الطموح والإنسان.

حفظ الله قطر، قيادةً وشعباً، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وحفظ لأهلها ما عُرفوا به من كرم وأصالة ونبل، لتبقى الدوحة كما عرفناها دائماً: مدينةً يسكنها الإنسان قبل أن يسكنها العمران.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version