“ماء العروس”متعة قراءة بلا نهاية
نبيل سليمان
إلى وليمة الكباب الديري (نسبة إلى دير الزور)، وفي المطعم الدمشقي المتخصص بهذا الكباب، لبّينا دعوة الدكتور نزار العاني: الباحث عمر كوش، الكاتبة نهلة كامل، الروائي خليل صويلح، وكاتب هذه السطور. وكانت دمشق قد جمعتنا في موسم معرض دمشق الدولي للكتاب الذي أقيم بين 5-16 شباط/ فبراير 2025.
لبثتُ حيناً مأخوذاً بسحر اسم المطعم، وهو “ستة إلّا ربع”، تخليداً لاسم شارع العشّاق في دير الزور، والشهير بشارع ستة إلّا ربع. ثم افتتحتُ الوليمة بما كان يداورني كلما التقيت بالصديق خليل صويلح بعدما قرأت روايته “ماء العروس” (2025). ويبدو أنني لم أوفّق إذ افتتحت بأن لي مشكلة مع هذه الرواية، والمشكلة هي أنني كلما هممت بالكتابة عنها، رأيتني أكتفي بالقراءة. وعندما كررت المحاولة اكتفيت ثانيةً وثالثةً بإعادة القراءة في الرواية. وفاجأني سؤال الكاتب: ألا أنها لم تعجبك؟ أين المشكلة؟
كنت قد اصطحبت الرواية في سفري من اللاذقية إلى دمشق، في الحافلة (350 كلم – 4.5 ساعة). وقد قرأت فيها جزافاً، وتلذذت كما لو أني أقرأ لأول مرة. والمشكلة إذاً هي أنني أقدم لذاذة القراءة على الكتابة بحلوها، وبالطبع: بمرّها. لا مشكلة إذاً.
ومهما يكن فقد عزمت أخيراً على أن أكتب عن رواية “ماء العروس”، لأتقرّى ملاعبتها للسيرة على وجهين: وجه هو لسيرة الكاتب، ووجه هو لسيرة الرواية. ولم يفارقني أثناء الكتابة ما كان يومض أثناء القراءة، ومنه صور الأصدقاء الكتّاب الذين جاءوا مثل صاحب “ماء العروس” من الشرق السوري قرب الحدود العراقية: الشاعر الراحل بندر عبد الحميد، الصحافي الراحل جان ألكسان، الصحافي والشاعر والكاتب بشير البكر، الروائي خليل النعيمي و…. ومثلهم من الأصدقاء الكتّاب الأكراد كثيرون وكثيرات: إبراهيم اليوسف، إبراهيم محمود، هيثم حسين، مها حسن، جان دوست… فذلك الشرق والشمال الشرقي (الحسكة والقامشلي وصولاً إلى عامودا وكوباني ـ عين العرب) فيّاضٌ بالمبدعين والمبدعات.
* * *
يفتتح خليل صويلح رواية “ماء العروس” بعودة الراوي إلى “الفلاش ميموري” التي ازدحمت فيها مسودات وأشتات مما يتهيأ به لكتابة رواية. لكنه أرجأ كل ذلك، وهو منذ سنتين يكتب سطراً أو سطرين، ثم يتوقف لأنه غير راضٍ عمّا كتب. وإذ يشبّه الفلاش ميموري بسفينة نوح لتنوّع واختلاف ما فيها، يحدثنا أنه أدرك بخبرة “عرّاف بدوي” أنه على وشك الغرق مجدداً في كتابة رواية جديدة. وإذ يشبّه كتابة الرواية بخوض معركة باللحم الحي، أو بـ “كتابة بلا بنج”، نراه يسخر من الكتّاب الذين يعملون بورديات عمل صارمة كما لو أنهم ثيران حراثة! ولكن من قال إن عمل الكاتب هو الكتابة فقط؟ وماذا عن القراءة إذاً؟ أليست عملاً يضاهي الكتابة؟ بل ماذا عن التأمل. ومن قال أيضاً إن التشبّه والتشبيه بثيران الحراثة من السخرية؟ وبالمقابل هل المزاجية أو انتظار الإلهام السماوي أو فوضى “العمل” من الفضيلة؟ ألم يكن نجيب محفوظ – أقرب مثال – عاملاً بوردية عمل صارمة، بالأحرى ثور حراثة؟
من مؤلفات الكاتب
على الرغم من هذا المدخل، ها هو الكاتب يبني الرواية مما تجود به الفلاش ميموري، ومن سيرته، ومن تطوير شخصيات وأحداث من هذه وتلك في زمن الزلزلة السورية التي تفجّرت عام 2011. هكذا يحضر البدو ابتداءً بحفرهم أوكار النمل ليقتاتوا بما ادخرته الأوكار. وقد أذكرني هذا المشهد الفجائعي بنظير له في رواية “فئران بلا جحور” للروائي الليبي الراحل أحمد إبراهيم الفقيه (1942 – 2019). وما هذه الرواية إلا واحدة من فيض روائي يتعلق بالبداوة، ابتداءً بأصناء “ماء العروس” وصاحبها في الفضاء نفسه: “زهر القطن” لخليل النعيمي، مثلاً، ووصولاً إلى روايات شتى لميرال الطحاوي ولينا هويان الحسن وإبراهيم الكوني وأحمد ولد عبد القادر، وقد أوقفت على كل ذلك فصل “سرديات البداوة” من كتابي “الإشارة والمعنى” (2018).
يقدم خليل صويلح صيغاً عديدة للحكاية الواحدة، مناديًا مرة بعد مرة “ألف ليلة وليلة”. وفي صلب النداء حكاية كنز الحكايات (الفصل التاسع من الرواية)، وتقاطعات هذا الكنز مع حكايات الجدة، حيث يشتبك الشفاهي بالمكتوب. وكعادة الكاتب/الراوي، كما يحدثنا، في حراثة نص ما، استعار أدوات الطوبوغرافي في رسم خريطة “ألف ليلة وليلة” لمعرفة كيفية ارتحالها من كلكتا إلى أرض الجدة. وهنا يحضر حنا دياب الذي يسعف مترجم “ألف ليلة وليلة” إلى الفرنسية أنطوان غالا، فيرمم دياب نقصان الليالي، وكل ذلك سوف يشيد رواية شهلا العجيلي “غرفة حنا دياب” (2025). ولا يفتأ الراوي يلاعب حكايات “ألف ليلة وليلة” مع حكايات الجدة التي تردد للطفل، وهو ينوس بين اليقظة والنوم، أن الغزال سيأتيه حاملًا قربة ماء ليرويه. ولا ننسَ هنا رواية خليل صويلح السابقة والفاتنة الآسرة (“سيأتيك الغزال” – 2020).
يلطش السحر الكتابة والقراءة معًا حين يغوص إسماعيل ساري البشير في النهر حتى ينهل – أم يرضع – من الماء الزلال في القاع: إنه ماء العروس الذي يغطس إسماعيل إليه في النهر، فيتجاوز الطين والكدر والطحالب إلى أن يبلغ الزلال، حيث واحدة من معجزات ينابيع الماء العذب في الأنهار والبحار. وإسماعيل الذي عمل معلمًا قبل أن يطير من الشرق إلى العاصمة دمشق، يكتب القصة ويمتلئ بإبداع زكريا تامر وكافكا. وسيكون عهده الدمشقي سانحة الرواية للسخرية المريرة من مثقفي العاصمة اليساريين في سبعينيات القرن الماضي. وإلى إسماعيل ها هو أبوه ساري البشير، الذي يسحله الدركي من فوق حصانه بحبلٍ طويل بتهمة حيازة سلاح غير مرخص. ويورث السحل، كما صفعة الدركي للأب، إسماعيل مهانةً وخوفاً، حتى ليكاد يبول حين تتوقف أمامه عربة عسكرية مطلقة الزمور المخيف، وإذا بسائقها صديق له يعاتبه. وأولاء هم شخصيات الرواية التي للأسطرة في نسغها نصيب، بينما التاريخ يتلاطم بالبداوة، بخاصة منذ زمن العثمانيين إلى الزمن الفرنسي إلى زمن الاستقلال، أي منذ الحملات التأديبية العثمانية على البدو إلى نظيرتها الفرنسية إلى الحكومات الوطنية إلى قانون العشائر وإخضاع البدو للقوانين المدنية بدلاً من أعراف الصحراء. إنها مسيرة إذلال البدو وتدجينهم كما يجهر الراوي، وهو يؤرخ للمنعطف الذي ينعطف بسورية منذ عام 1963 إلى زلزلة 2011 (الثورة). وإذا كان تسريد التاريخ في الرواية لسوق ساروجة أو للألبان في دمشق، لا ينجو من البطء أو البرودة أو الإثقال، فإن سلاسة السرد سرعان ما تُنسي القراءة ذلك، لترمح بها الرواية مع حماد الركاض الهزاع الذياب أو عبود السطام أو الجدة أو الخزافة شذى السليم أو جاسم عطية أو …
تغلب على رواية “ماء العروس” استراتيجية التشظّي. وكان الراوي قد اختار للرواية اسماً أولياً هو “مستودع الأنقاض”، وما ذلك إلا الشظايا، بل والشذرات، التي يرمي بها فيما يبدو جزافاً، لكنه يستبطن هندسة الرواية ونظامها، لتبدو رواية داخل رواية، ولتبدو مشاركةً للقارئ في بناء الرواية، وكل ذلك مما يقلّص سلطة السارد على الرغم من مناداة السيرية لهذه السلطة. وهنا أُسرع إلى التوكيد على أن خليل صويلح لا يفتأ يقدم في كل رواية من رواياته اقتراحًا للكتابة، ولا تفتأ متعة قراءة رواياته تختلف من واحدة إلى أخرى. كما أن سمة “الرواية المثقفة” لا تغادر رواياته. وهذه السمة في “ماء العروس” قد تبدأ من تشبيه إسماعيل ساري البشير بطائر غريب يبني عشه على هيئة مكتبة، ولكنها لا تنتهي باحتشاد روايات تشيخوف وزيفاغو وصبري موسى والشذرات التاريخية والأغاني والأفلام و…
يقصّر القول بسلاسة السرد عمّا ترمي الروايةُ به القراءة. لذلك أراني ألجأ إلى ما قال الكاتب/الروائي لنفسه: “ربما كانت إحدى مهمات الروائي هي ترميم الفراغات بين عبارة وأخرى، والسعي وراء نبتة مستحيلة كتلك التي كان جلجامش يطاردها في رحلته العبثية نحو الخلود”. وإلى هذا الوعي بالذات الروائية، أضرب أخيراً مثلاً بهذه السطور التي ترسم عصف عالم الرواية، فيكون أن يشكو مثلي من مشكلة له مع الكتابة عن رواية “ماء العروس”، لأن لذاذة القراءة أولى: “كان طفل السادسة يتأمّل جرس القطن بدهشة غير مصدّق أنّ تلك الشتلة الخضراء التي لم تثر اهتمامه في الأمس، ستحمل، بعد شهور، كل هذا البياض الناصع. البياض الذي ستلطّخه المصائب، والهزائم، والجفاف، وزوابع العجاج، بكدمات لا تُمحى. سيفيض النهر ويغمر المزروعات ويهدم بعض البيوت، ويبتلع الأبقار والحمير وبنات آوى، ثم ستزحف الملوحة إلى الأراضي الزراعية، وتنخر التراب، مثلما ستنخر الأرواح، والضمائر، وأعراف الأجداد. وسيردّد الرجال في مجالسهم بأنه غضب الرب، مذ أن استبدلوا خيل الغزو بأحصنة الحديد، وصوت الربابة بأغاني الغجريات، وخلط الحليب بالماء، والجمّال بالغنّام”.
كاتب وناقد سوري

