تشكيل

الرسام العراقي سيروان باران: القبح موضوعا للتأمل الجمالي

لوحاته تتحرك في منطقة ما بين الحياة والموت.. والذاكرة والنسيان.. وبين الصمت والصرخة

مروان ياسين الدليمي

من يتأمل أعمال الفنان العراقي سيروان باران يكتشف أن اللوحة عنده ليست مجرد سطح من ألوان وخطوط، بل كيان مشبع بالتوترات، كائن بصري يعيد تمثيل ذاكرة لا تهدأ، والدخول إلى عالمه يعني مواجهة مباشرة مع صور متصدّعة ووجوه محطمة وأجساد تعيش على حافة الانكسار. فكل لوحة هي في جوهرها فعل استذكار مؤلم، لا يكتفي بتمثيل الحرب بوصفها حدثاً خارجياً، بل يستدعي أثرها العميق على الجسد والروح والوعي. هو لا يرسم وجوهاً كاملة الملامح ولا أجساداً مكتملة التشكل، بل يقف دائماً عند النقطة التي تبدأ فيها الأشياء بالتفتت والانمحاء. الوجوه تُطمس عمداً أو تُشوَّه وكأنها لا تحتمل أن تُرى بوضوح، والأجساد تُجزّأ أو تُحاصر بخطوط كثيفة تذكّر المشاهد بصرامة القيد أو السجن. في هذه التشظيات يكمن جوهر تجربته: الإنسان وقد صار بقايا، أشلاء من ذاكرة مثقلة بالعنف.

لوحات باران تستحضر الجنود بوصفهم كائنات منهكة، بعيدة عن أي بطولة تقليدية. الجندي في أعماله ليس رمزاً للانتصار أو القوة، بل صورة لخذلان إنساني، ملامح مطفأة، عيون فارغة، أجساد مسكونة بالإعياء. هذه الصورة المعاكسة للأسطورة العسكرية تكشف عن رؤية نقدية للحرب، حيث يصبح المقاتل ضحية لا بطلاً، إنساناً مسحوقاً بثقل الصراع بدل أن يكون فاعلًا فيه. وهنا يتضح أن الذاكرة التي تحملها اللوحة ليست وطنية صافية، بل معذّبة، تفضح القسوة بدل أن تمجدها.

وجوه بلا ملامح

ما يُميز باران أنه لا يقدّم صوراً قابلة للاستهلاك السريع. لوحاته لا تُقرأ في لحظة واحدة، بل تُقاوم النظرة السريعة، تجبر المتلقي على التوقف، على الانغماس في تفاصيل اللون والظل والفراغ، وهي لا تمنحك الراحة، بل تجعلك تواجه أسئلة لا إجابات لها. لماذا تُمحى الوجوه؟ لماذا تتحول الأجساد إلى كتل غامضة؟ ماذا يعني أن يغمر الأحمر مساحة كاملة من القماش؟ هذه الأسئلة لا تجد جواباً مباشراً، لكنها تشكّل جزءاً من تجربة المشاهدة نفسها، حيث يتحول المشاهد إلى شريك في إعادة بناء الذاكرة.

يبدو أنه يكتب تاريخاً بديلاً للذاكرة العراقية، تاريخًا لا يعتمد على الوثائق الرسمية ولا على الصور الفوتوغرافية، بل على الذاكرة الداخلية التي لا تفارق الجسد. اللوحة عنده تُشبه دفتر يوميات كُتب بالحبر الممزوج بالدم، دفتر لا يخضع للرقابة ولا للتأويل المسبق، بل يخرج مباشرة من المعاناة الشخصية إلى السطح البصري.

وهنا تكمن فرادة تجربته: إنه لا يوثق الحرب بقدر ما يستحضر أثرها المستمر على الفرد والمجتمع.

إن النظر إلى أعماله يكشف عن جدلية متواصلة بين القبح والجمال. فهو يرسم التشوه، الندوب، والدماء، لكنه يفعل ذلك بطريقة تجعل القبح نفسه موضوعاً للتأمل الجمالي. ثمة جمال غريب يتولد من عمق القسوة، جمال يذكّرنا بأن الفن لا يقتصر على تصوير المبهج، بل يتخطاه ليجعل من الألم مادة للكشف. وهذا ما يمنح أعماله قوة مضاعفة: فهي لا تحجب المأساة، بل تضعها أمام العين مباشرة، لكنها تفعل ذلك عبر لغة تشكيلية تثير الدهشة بقدر ما تثير الحزن.

تتحرك لوحاته في منطقة ما بين الحياة والموت، والذاكرة والنسيان، وبين الصمت والصرخة. كل لوحة هي مساحة لالتقاء هذه الأضداد، وهي بذلك تتجاوز حدود التشكيل التقليدي لتصبح سؤالاً فلسفياً حول معنى الإنسان في عالم مثقل بالعنف. وهنا يتجلى البعد الوجودي لتجربته: إنه يرسم لا ليجمّل، بل ليقاوم النسيان، ليعيد فتح الجرح مراراً كي يظل حاضراً في الوعي.

لوحاته شكل من أشكال المقاومة الجمالية. فهي ليست موضوعاً عابراً ولا مشهداً يمكن تجاوزه بسهولة، إنها ذاكرة معذّبة، لا تكفّ عن النزيف، لكنها في نزيفها تمنحنا فرصة لإعادة التفكير في معنى الوجود. ففي مواجهة محاولات طمس الذاكرة أو تجاوزها بسرعة، يأتي باران ليقول إن الجرح ما زال قائماً، وإن العنف لا يمكن محوه بمجرد إعلان نهايته. فاللوحة عنده تُصرّ على استحضار الماضي في الحاضر، وتجعل المتلقي شريكاً في حمل العبء. هذه المقاومة ليست سياسية بالمعنى المباشر، لكنها إنسانية بالدرجة الأولى، لأنها تعيد الاعتبار لما تعرّض له الجسد والوعي من تدمير.

الفن هنا لا يقدّم عزاءً، بل يضعنا أمام جرح مفتوح، جرح لا يلتئم، لكنه يجعلنا نرى بوضوح أشد ما حاول العالم أن يخفيه. وهكذا تتحول أعماله إلى مرآة للذاكرة الجمعية، مرآة لا تصقل ملامحنا بل تكسرها، كي نعرف من خلالها حقيقة ما عشناه وما لم نستطع بعد أن نتجاوزه.

الأجساد عنده ليست كيانات مكتملة، بل أطراف مقطعة، أشكال متداخلة، وحركة محصورة في فضاء لا ينتمي إلى أي جغرافيا محددة. هذه البنية البصرية لا تسعى إلى الإرضاء، بل إلى الإقلاق، إلى دفع المتلقي نحو مواجهة صمت يختبئ خلف كثافة الألوان، خلف كل الظلال، خلف كل فراغ يبدو في البداية مجرد بياض لكنه في الحقيقة حامل لكل غياب.

صمت الألوان النازفة

اللون عند باران لا يُعامل كأداة جمالية بريئة. فالرمادي الثقيل الذي يغطي مساحات واسعة ليس محايداً، بل هو كآبة صافية، أشبه بغيوم كثيفة تحجب الضوء عن الروح، والأسود ليس فراغاً بل امتلاء بالاختناق، ظلمة تشبه الذاكرة حين تُثقلها صور الموت، أما الأحمر، فهو ليس مجرد بقعة زاهية، بل جرح حيّ، دم متخثر يتوزع على سطح اللوحة ليشهد على عنف لم ينطفئ بعد. هذه الألوان لا تحكي قصة مكتملة، لكنها تستدعي إحساساً مكثفاً بالوجع، وتجعل العين أمام أثر بصري لا يزول بسهولة. الأهم من اللون هو الفراغ الذي يحيط بالعناصر. في أعمال باران، البياض ليس استراحة بصرية ولا فراغاً محايداً، بل منطقة مشحونة بالصمت. كأن البياض نفسه يصرخ، يحمل ما تبقى من أصوات انطفأت، أو يمثل الفضاء الذي تذوب فيه الأجساد وتغيب الوجوه. هذا الفراغ يضاعف من حدة العزلة التي تهيمن على اللوحة، ويجعل كل تفصيلة مشدودة إلى صدى لا مرئي. فالفراغ هنا ذاكرة موازية، مكان يحتفظ بما لم يعد مرئياً لكنه لا يتوقف عن المطالبة بحضوره.

اللون عنده لا يأتي ليزين، بل ليكثف أثر الجرح. الرمادي ليس محايداً، بل أثقل من الصمت، حاملاً عبء كل لحظة تائهة في تاريخ مجهول، كل وجع لم يسمعه أحد.

الألوان، الفراغ، الزمن، الأجساد، كلها عناصر في شبكة حسية تحاصر المشاهد، تدفعه إلى مواجهة ما لا يُقال، إلى الشعور بما يكمن خلف الجدار، خلف الصمت، خلف التاريخ الشخصي والجماعي معاً. والزمن في لوحاته ليس خطياً، بل متوازياً ومتشابكاً، حيث تتداخل لحظة الانكسار مع لحظة الصراع، وتتقاطع ذاكرة الفرد مع ذاكرة المجتمع. كل جسد يبدو وكأنه يشتت ذاته بين الماضي والحاضر، بين الألم الفردي والجماعي، وكأن اللوحة نفسها تحاول إعادة ترتيب الزمن وفق منطق الوجع والخسارة. وهنا يكمن العنف البصري: ليس في الأحداث المصوّرة فحسب، بل في طريقة التصوير نفسها. الأجساد المنكسرة ليست مجرد تمثيل لمشهد مأساوي، بل هي وسيلة لإظهار العنف الكامن في كل فراغ وفي كل لحظة صمت. كل خط وكل ظل يتحرك وكأنه يشير إلى هشاشة الإنسان، إلى إمكانية الانهيار في أي لحظة، وإلى الصمت الذي يحاصرنا جميعًا، صمت يشبه صرخة لم تُسمع بعد.

لوحاته مساحة فلسفية، تتجاوز الجانب البصري إلى أسئلة وجودية: ما الذي يبقى بعد الانكسار؟ كيف يمكن للفرد أن يواجه فقدان المكان والزمان؟ كيف يكتب الجسد لغة العنف التي لا تموت؟

كل لوحة تصبح محاولة لإعادة تعريف الحضور الإنساني في مواجهة الفقد، محاولة لفهم كيف أن الجروح، والألوان، والفراغ يمكن أن تتحول إلى شهادة صامتة على التاريخ، على الألم، وعلى صرخة الحياة في لحظاتها الأكثر هشاشة. هو يكتب باللون ما عجزت اللغة عن قوله، ويصنع من اللوحة فضاءً يتجاوز الكلمات، فضاءً يصبح فيه الألم، والفقد، والذاكرة أكثر وضوحاً مما يمكن أن تصفه أي جملة مكتوبة أو نطق شفهي.

جسد يتلاشى ببطء

لوحاته لا تكتفي بالتمثيل الواقعي، لكنها أيضًا لا تغرق في التجريد الصافي. إنها منطقة وسطى، متوترة، متحركة بين قطبي المعنى، يتقاطع فيها التشخيص مع المحو، الشكل مع الفراغ، الحضور مع الغياب. هنا، تتقاطع الرغبة في السرد مع رغبة في الصمت؛ يتشكل الجسد ثم يتفتت، يُرسم الوجه ثم يُطمس، فتولد صورة لا تعرف الاستقرار، صورة تحاكي الحالة البشرية في لحظة انكسارها.

هذا التوتر بين الواقعي والتجريدي ليس مجرد أسلوب بصري، بل هو فلسفة وجودية، تعكس طبيعة الوعي البشري والتجربة الإنسانية. الذاكرة، كما تصورها باران، لا تأتي مكتملة، بل تتخللها فجوات النسيان، التشويه، والانحلال.

التذكر لا يكتفي باستدعاء ما مضى، بل يعيد إنتاجه بطريقة مضطربة، مشوشة، تضعنا أمام حقيقة مؤلمة: أننا لا نستطيع أن نملك الماضي أو نعيده كما كان، بل نعايش أثره، نتلمس ملامحه المتلاشية، ونشعر بما تركه من جروح، ضياع، وحيرة.

وهكذا، يصبح العمل الفني لديه شهادة مضطربة، أقرب إلى حلم مكسور أو كابوس يلاحق العين، إلى تجربة حسية تتداخل فيها الرغبة في الفهم مع استحالة السيطرة على ما يُرى.

سيرته تشير إلى أنه ولادة بغداد عام 1968، تخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة بابل، غير أن معلمه الأول لم يكن قاعة الدراسة فقط، بل الحروب التي عصفت بالعراق. هذه التجربة لم تتحول عنده إلى حكاية للتأريخ أو وثيقة لتسجيل أحداث، بل إلى مادة خام يعيد تشكيلها في لوحات تتجاوز وظيفة التصوير لتغدو شهادة جمالية على مأساة إنسانية مستمرة.

روائي وشاعر وناقد عراقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى