دوان موسى الزبيدي
تلك الأيام في اللاذقية لم تكن مهمّة إدارية لإدارة امتحانات عامة، بل كانت رحلة في قلب “الجحيم” حيث تلاشت هيبة الدولة أمام سطوة الميليشيات ووجوه الفساد التي استباحت كل شيء….
في صيف عام 1988، كانت اللاذقية تغرق في رطوبة تغلفنا بثقل، لا تضاهيها سوى ثقل الرهبة التي تخيّم على أزقتها، كنتُ هناك، مندوباً لوزارة التربية، أتقاسم مع الدكتور كمال طه وزملائي الثلاثة خبز القلق في النهار، ونحمل أوزارنا في المساء إلى مكتب مدير التربية (وديع منلا)، حيث كان الدكتور كمال وعلي ديب، وعلي الخيّر ينتظرون تقاريرنا، لا كإداريين، بل كمن يمشون على حقل من الألغام، كانت الأمسيات تمضي في جلسات تقييم جافة، حتى جاءت تلك الليلة التي كسر فيها الصمت تقريرٌ دموي جعل الأنفاس تتجمّد في الحناجر، الحديث لم يكن عن غشٍ في قاعة، بل عن جريمة تجاوزت كل الخطوط الحمراء؛ فتاةٌ، في ريعان الصبا، ووفرة الجمال، ونضارة الأحلام، تخرج من قاعة امتحانية وتستعد للعودة إلى دفء بيتها، فإذا بـ “شيخ الجبل”، محمد الأسد، يقطع عليها الطريق، لم تكن حادثة اختطاف عابرة، بل كانت استباحة مطلقة؛ اختطفها ليقتل فيها البراءة والأحلام ،ويدنّس الجمال، ثم قتلها ليغطي على فعلته، والأكثر مرارة من الجريمة نفسها كان صمتُ والدها، ذلك العقيد في سلاح الجو، الذي ابتلع دمه وكبرياءَه تحت وطأة رعبٍ سرى في أوصال المدينة، لقد حُشر التقرير في أيدينا، وشعرنا بثقله يتجاوز أوراقنا المكدّسة؛ رفعناه إلى الوزير محمد الحلبي، وعيوننا تترقب عدالةً كانت تتلاشى يوماً بعد يوم……
انتشر الخبر كالنار في الهشيم، لكنه في اللاذقية لم يحرّك ساكناً، بل زاد من وقاحة الطغيان، فالميدان لم يكن ساحةً للعلم، بل كان ملعباً لـ “هارون وهلال”، لـ “منير ووسيم بن بديع”، ولـ علي “شقيق غازي كنعان” وإياد عبدالله زيدان؛ أسماءٌ أصبحت في ذلك الوقت مرادفاً للسلطة المطلقة التي لا تُراجع ولا تُحاسب، كان هؤلاء يعبثون بنزاهة الامتحانات، يقتحمون المراكز، يرهبون المراقبين، ويضعون رؤساء المراكز تحت أحذيتهم…..
كلما حاولتُ أن أقف سدّاً منيعاً أمام هذه الخروقات، أو حاولتُ حماية مراقبٍ أذلّهُ أحد هؤلاء الغوغاء، كان الرد يأتي سريعاً، حادّاً، ومبطناً بلغة التهديد، لم أكن أحارب الغش، كنت أحارب كياناتٍ تقتات على الفوضى، كان صمتهم تهديداً، ونظراتهم وعيداً، ووجودهم في المراكز وصمة عارٍ لا تمحى…
لقد كانت مهمتنا في اللاذقية شهادة على وطنٍ بدأ يتمزّق تحت حوافر “البلطجة”، حيث تسقط رتبة العقيد أمام سكين “شيخ الجبل”، ويصبح تعليم الأجيال مسرحيةٍ هزليةٍ يُديرها صبيةٌ استبدّ بهم الطيش، والغرور، تاركين لنا ذاكرةً لا تهدأ، وجرحاً غائراً في ضمير تلك المدينة التي استباحوا فيها العلم والروح معاً……
الدكتور كمال مرح، ويحب أن يروّح عنا ما نواجهه من ضغوط، في الاجتماع المسائي يبادرني بالقول: “هارون بالبلد اهرب يا ولد” عبارة شائعة يطلقها كثيرون بالتهكّم خفية من هذا (البلطجي)، يسألني ماذا عن مغامراتك اليوم مع الشباب؟ فأجيبه: اليوم عفراء شقيقة شيخ الجبل تضع المسدس على الطاولة في أثناء تأدية الامتحان لترعب المراقبين، شهادتها منكبّة على ورقة الإجابة فارغة، اقتربت منها وسحبت المسدس ،فاستغربت، قلت لها: اطمئني، سيبقى عندي حتى تخرجي، لكن رفضت، بعدها اقنعتها لتستمر في الامتحان، فجأة أدخلوا إليها ورقة إجابة مكتوبة جاهزة ليسحبوا ورقة الإجابة الفارغة، كلمت رئيس المركز، قال: يا أستاذ أنقذنا بطريقتك، سحبت ورقة الإجابة الفارغة وأرفقتها بملاحظاتي، وبتتبعي وجدت في الشقة المقابلة لمركز أنيس عباس عدداً من المدرسين من ذوي المعتقلين يحتجزهم هارون يجيبون عن الأسئلة الامتحانية في ورقة إجابة نظامية…..
اتسعت عينا الدكتور كمال، وتلاشت ابتسامته المعهودة ليحل محلها وجومٌ حذر، بينما كان يقلب قلمه بين أصابعه بحركة عصبية، خيّم صمت ثقيل على الغرفة، لم يقطعه سوى صوت مروحة السقف التي تئن فوق رؤوسنا…
أمالَ الدكتور رأسه نحوي هامساً بصوت خافت، وقد نسي تماماً روح الدعابة التي استفتح بها حديثه:
أنت لا تدرك حجم ما فعلت يا أستاذ…! هؤلاء ليسوا طلاباً يغشون، أنت لمست “عش الدبابير”، “هارون” لا يعبأ بالقوانين، بل يصنع قوانين تخدم بطشه……”.
أخرجتُ ورقة الملاحظات التي دونتها في المركز، ووضعتها أمامه، كان عليها الحبر لا يزال طرياً، كأنها وثيقة إدانة بانتظار من يوقع عليها، تابع الدكتور قراءتها، ووجهه يزداد شحوباً مع كل سطر….
“المدرسون المحتجزون في الشقة المقابلة…” تمتم الدكتور كمال وهو ينظر إليّ بذهول، “هذا يعني أننا أمام منظومة كاملة، وليست حالة فردية، إذا تسربت هذه الملاحظات أو وصلت إلى يد هارون، فلن تكون وظيفتك هي الثمن فقط…!”
استجمعتُ شجاعتي، رغم برودة أصابعي، وقلت له بنبرة حاولت أن أجعلها ثابتة “لقد أخذت المسدس يا دكتور، وهذا بحد ذاته إعلان حرب، لكن الورقة الفارغة التي سحبتها هي دليلي الوحيد، رئيس المركز يتملص الآن، يخشى على عائلته، والطلاب الذين رأوا ما حدث بدأوا يتجنبون نظراتي في الممرات…..”.
نهض الدكتور كمال فجأة، مشى نحو النافذة المطلة على الشارع المظلم، وأشار بإصبعه إلى سيارة سوداء تقف بلا لوحات في الزاوية البعيدة….
“هارون لا ينسى، والرقابة التي تظن أنها غائبة، هي حاضرة في كل زاوية اسمعني جيداً، تلك الورقة يجب أن تغادر هذا المبنى قبل الفجر، إذا علموا أنك وثقت أسماء المدرسين المحتجزين، فلن يكتفوا بسحب ورقتك، سيجعلونك أنت ‘غائباً’ عن كل شيء…..
تسمّر زملائي في مكانهم، بينما كان صدى كلماته يتردد في أرجاء الغرفة: “هارون بالبلد، اهرب يا ولد”.. لم تعد هذه المرة دعابة للترويح عن النفس، بل كانت نصيحة أخيرة قبل أن يغلق باب الغرفة خلفه، تاركاً إياي مع ثقل الحقيقة، وورقة إجابة فارغة، ومستقبلٍ معلق بخيط رفيع…..
تساءلت كيف أتصرف الآن في ظل هذا التهديد المباشر لنا؛ هل أحاول إخفاء الأدلة ليأخذها الوزير بنفسه مني، أم أرسلها إليه، وأستجوب رئيس المركز لدعم أدلتي، وقلت ربما يخذلني بموقفه فهو مرتعب من ذكر اسماء هارون أو هلال أو محمد؟
كان الصباح في تلك الأيام يرتدي رداءً من الضباب الرمادي، ضبابٌ يغلف القلوب بالخوف بقدر ما يغلف الطرقات، وضعتُ الأوراق في حقيبتي الجلدية المتهالكة، وأحكمت إغلاقها وكأنني أحمل قنبلة موقوتة، لا ملفات امتحانية، في الخارج كانت شوارع اللاذقية تبدولي وكأنها تتنفس حذراً؛ فالجميع يعرف المسارات، والجميع يعرف “المناطق المحرمة”….”
زملائي، الذين كانوا يوماً يتسابقون لزيارة المراكز الامتحانية، صاروا يفضلون المراكز المنسية، بعيداً عن صخب مراكز (أنيس عباس و”القرداحة” و”جبلة”، حيث لا سلطان للقانون، بل سلطانٌ لمن يملك السلاح، أما أنا فقد تحولت – بإرادتي أو بقدري المحتوم – إلى ذلك المشرف الذي لا يغيب عن عين “العاصفة…
في الطريق إلى مركزي القادم، كانت الرياح تحمل رائحة البحر الممزوجة برائحة احتراق خفي، كلما اقتربت من مشارف القرداحة، كانت نقاط التفتيش تزداد كثافة، وجوه المسلحين هناك لا تعرف معنى “التعليم”، بل تعرف فقط “الامتياز”…”
تذكرتُ كلمات الدكتور كمال بالأمس، وخطر ما أخفيه في حقيبتي. التفتُ حولي؛ كانت سيارة سوداء تتبعني منذ خروجي من المدينة، ببطءٍ مدروس، تبتعد قليلاً ثم تقترب، أدركتُ حينها أنني لم أعد مشرفاً أبحث عن الغشّاشين، بل أصبحت طريداً يبحث عن مخرج….
توقفتُ عند مفترق الطرق؛ يميناً حيث مركز “أنيس عباس” الذي ينتظرني فيه مواجهة جديدة مع الغموض، ويساراً حيث الطريق إلى “جبلة”، حيث قيل لي: إن الوضع هناك أكثر تعقيداً، حيث التواطؤ صار مؤسسة قائمة بحد ذاتها، إياد عبدالله زيدان يؤدي الامتحان في جبلة ومعه عدد من أبناء الضباط المتنفّذين.
سحبتُ نفساً عميقاً، وطلبت إلى السائق أن يستمر إلى القرداحة، لأجد مالاً وجدته في مركز أنيس عباس.
للحكاية تتمات…. فأيام الامتحانات كم كانت ثقيلة على الطلاب المتفوقين وعلى المراقبين والمشرفين عليها جميعاً بما فيهم الوزير.
إعلامي وباحث، وأكاديمي سوري مقيم في الدوحة

