Site icon مجلة المزمار العربي

بعد قرن على ميلاده .. سهيل إدريس الصحافي والروائي والمترجم المبدع

إدريس كان مبدعاً في الرواية والقصة القصيرة والمسرحية..

أحمد فرحات

في النصف الثاني من شهر أغسطس الفائت، صادفت ذكرى مرور قرن وعام واحد على ميلاد صاحب مجلة «الآداب»، الروائي اللبناني سهيل إدريس (1925 – 2008م). ولا غرو فالرجل كان قد شغل موقعاً رفيع الشأن في دنيا الثقافة العربية والإبداع العربي، أولاً، من خلال منبر مجلته الشهيرة «الآداب»، والتي أسسها في العام (1953م) مع كل من الكاتبين: بهيج عثمان ومنير البعلبكي، ثم تفرّد عنهما بملكيتها وإدارتها في العام (1956م).

وثانياً، بإقدامه مع الشاعر نزار قباني على تأسيس دار للنشر باسم «دار الآداب» في العام (1956م)، وسرعان ما فضّ نزار هذه الشراكة ليؤسس له في بيروت داراً للنشر حملت اسمه: «منشورات نزار قباني»، وعرفت على جناح السرعة رواجاً منقطع النظير هي الأخرى.

باختصار تحوّلت مجلة «الآداب»، ومعها «دار الآداب»، فيما بعد إلى محورين للنشر استقطبا نتاج كبار روّاد الحداثة الشعرية والأدبية العربية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: بدر شاكر السيّاب، نازك الملائكة، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري، حسين مردان، أدونيس، خليل حاوي، نزار قباني، محمد الماغوط، صلاح عبدالصبور، أحمد عبدالمعطي حجازي، محمد الفيتوري.. علاوة على نشر إبداعات لكل من: نجيب محفوظ، وجبرا إبراهيم جبرا، وفؤاد التكرلي، وغسان كنفاني، وحنّا مينة، والطيّب صالح، وغيرهم.

هذا في مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي. أمّا في مرحلة الستينيات وما تلاها، فقد استقطبت «الآداب» (مجلة ودار نشر) أصواتاً إبداعية مركزية هي الأخرى من طراز: محمود درويش، سميح القاسم، عزالدين المناصرة، أمل دنقل، محمد عفيفي مطر، صنع الله إبراهيم، محمد البساطي، ممدوح عدوان، إلياس خوري، هاني الراهب، سعدالله ونوس وغيرهم.

رواية الحي اللاتيني

وعلى مستوى النقد الأدبي استقطبت «الآداب» رموزاً نقدية ريادية، ولها إيقاعها الضارب والمؤثر في المشهد الفكري والأدبي العربي المعاصر والحديث من أمثال: مارون عبود، رئيف خوري، إيليا حاوي، محمود أمين العالم، أنور المعداوي، رجاء النقاش، أحمد كمال زكي، نجيب المانع، محيي الدين إسماعيل، عبد الحق فاضل، محمد شكري عياد، صالح جواد الطعمة وغيرهم.

طبعاً أمام هذا الحراك الثقافي الريادي والمتنامي، لم يغفل سهيل إدريس إبداعه الذاتي على مستوى إنتاج الرواية والقصة القصيرة والمسرحية.. وكذلك نشاطه في مضمار الترجمة وبشكل خاص للأدب ذي المنزع الفلسفي الوجودي، متمثلاً في نتاج

 جان بول سارتر وبخاصة منه ثلاثيته «دروب الحرية»، التي يستعرض فيها الفيلسوف الفرنسي أفكاره الوجودية حول «الحرية المطلقة»، و«المسؤولية الفردية»، و«حتمية الاختيار»، في ظل أزمات الحرب العالمية الثانية.

وترجم سهيل إدريس رواية «الغثيان» لسارتر أيضاً، وهي سردية وجودية بامتياز، يقول فيها صاحبها من ضمن ما يقول: «إن الوجود يخترقني من كل مكان، من العينين، من الأنف، من الفم، وفجأة يتمزق الحجاب ويظهر كل شيء بكامل عناصره المتعددة وغير المحددة.. نعم لقد فهمت، لقد رأيت لحظة إدراك وجودية مكثفة، حيث يصبح العالم مكشوفاً بشكل مؤلم».

كما ترجم صاحب «الآداب» لروائي وفيلسوف وجودي فرنسي آخر، هو ألبير كامو.. ترجم له رواية «الطاعون» التي تسرد حكاية نضال الشعب الجزائري الطويل والمشهود (خصوصاً في مدينة وهران)، ومعاناته وقهره ووباء الطاعون الذي كان يفتك به في تلك المرحلة، أي في الأربعينيات من القرن الفائت، مخلّفاً آلاف الضحايا، وذلك كله بأسلوب يشبه أسلوب فرانز كافكا العبثي الكابوسي في روايته الشهيرة «المحاكمة»، ما زاد من شهرة رواية «الطاعون» التي صدرت في العام (1947م) وارتفاع مبيعاتها فيما بعد إلى أكثر من مليوني نسخة، وصارت عاملاً من العوامل الأدبية الأساسية التي دفعت بألبير كامو ليفوز بجائزة نوبل للآداب في العام (1957م).

وبالعودة إلى نتاجه الأدبي الذاتي، فقد اشتهر سهيل إدريس بثلاثيته الروائية التي طبّقت شهرتها الآفاق العربية في وقتها: «الحي اللاتيني – 1953م»، «الخندق العميق – 1958م»، و«أصابعنا التي تحترق – 1962م»، وكلها مكتوبة، وإن على مراحل، بسردية ذات تقنية جديدة وأسلوب واقعي جذاب ورشيق، أراد بها مبدعها أن تكون جميعها نهجاً روائياً حديثاً وبعيداً عن التصنيف الكتابي التقليدي.

وفي المناسبة عندما صدرت الرواية الأولى من الثلاثية، أي «الحي اللاتيني»، قرأها الروائي نجيب محفوظ بإعجاب طافح، ونوّه بها قائلاً بأنها «تشكل علامة فارقة في الرواية العربية اليوم، من شأنها أن تقدم درساً إبداعياً لا يُنسى، وتقوم إثباتاته في دورتها على جدل التحول والتغير.. إنه يضعنا مباشرة أمام إشكالية غرب/ شرق، حيث بطل الرواية «سامي»، يعيش صراعاً دقيقاً وحاداً بين هويته الشرقية من جهة، وغرب باريسي يفرض عليه سياقه الحضاري بقوة لا يستطيع الفكاك منها، فيعود إذ ذاك إلى مصدر هويته الشرقية ويلتزم بهموم أمته العربية».

وأردف نجيب محفوظ يقول لي في حوار طويل كنت أجريته معه شخصياً، ونشرته في مجلة «الكفاح العربي» اللبنانية سنة (1983م): «سهيل إدريس روائي قدير وكبير استطاع أن يجمع بين متناقضين هنا.. الفلسفة الوجودية التي اعتنقها متأثراً برائدها على المستوى الفرنسي جان بول سارتر، وبين التزامه بالقومية العربية والدعوة لتحرير الإنسان العربي من كل أشكال التبعية السياسية والحضارية.. هذا الجمع بين متناقضين أبدع فيه الروائي إدريس، خصوصاً حين حوّل الوجودية من فلسفة تدعو إلى الانغلاق الذاتي، إلى فضاء مغاير تماماً ينفتح على النضال القومي والالتزام به».

وعندما قرأ د. سهيل إدريس ما قاله نجيب محفوظ فيه، استدعاني على عجل إلى مكتبه في «دار الآداب» في بيروت، وقال لي: ما رأيك في أن أتصل هاتفياً بنجيب محفوظ وأشكره على ما أدلى به في اللقاء الصحافي معك؟ من فوري وافقت على الفكرة ودفعته لتنفيذها..

واتصل إدريس بمحفوظ ودار بينهما ما دار من كلام أدبي وشخصي.. وأحسست بعدها بأن سهيل إدريس اعتبر شهادة نجيب محفوظ فيه كروائي هي الشهادة التقييمية الأعلى والأكثر موثوقية، ودفعاً له ليمضي في مشروعه الأدبي هكذا بكل ثقة واقتدار، خصوصاً بعدما كان نجيب محفوظ قد أتم قراءة الروايتين المكملتين «للثلاثية الإدريسية»، وهما: «الخندق العميق»، و«أصابعنا التي تحترق».

والسؤال الآن: هل كان سهيل إدريس نفسه هو بطل ثلاثيته الروائية؟

الجواب: نعم، وإن بصيغ مختلفة ومتجانسة في قلب مسار السيرة الذاتية للبطل «سامي»، والممتدة على فضاءات السرد في كل رواية من الروايات المعنية. وقد اعتمد خلالها الراوي صيغة الضمير المعلن مباشرة وكذلك صيغة الضمير «الغائب المعلل». وعلى العموم، إن تيار الوعي والمونولوج الداخلي كانا يمسكان بتدفق السياق السردي الواقعي الذي انتهجه سهيل إدريس وببراعة تكاد تقترب من براعة صور الرمزيات المعقدة التي كان يشق عنها، أو ينتجها خلال مواجهاته لمختلف المواقف المفصلية والدرامية التي كانت تفرض نفسها عليه في أفق مسار الأحداث المتوالية.

بدوره كان الناقد المصري د. جابر عصفور قد أشاد بالنتاج الروائي «الإدريسي»، خصوصاً روايته الأولى «الحي اللاتيني»، التي صنفها في كتابه «زمن الرواية – 1999م» في عداد «الروايات الحضارية» أو «العالمية» المخترقة للثقافات، والتي تعكس تلكم العلاقة الصراعية فيما بين الشرق والغرب، وما تنتجه من حالات اغتراب للفرد العربي المقيم في ذاكم الغرب نفسه؛ فبطل الرواية يعيش قلقاً نفسانياً بيّناً سببته تلكم القيم المادية والعلاقات الاجتماعية المغايرة، ولا سيما إزاء المرأة الغربية في مدينة تزدحم بالحريات الفردية المفتوحة كباريس… كما أنه ظل هذا البطل يعيش إحساساً بالدونية والنقص إزاء كل ما يدور حواليه من نظام علاقات غربي يهمّشه، ويعمّق من شعور التبعية لديه، خصوصاً وأنه كان يفتقر إلى الحد الأدنى من أي معين يعينه على مواجهة الصدمات الحضارية الغربية.

من جانب آخر، يجب ألا ننسى أن ناقدنا د. جابر عصفور كان قد أشاد بحماسة عالية بمجلة «الآداب» لصاحبها سهيل إدريس، معتبراً إيّاها المنبر العربي الأول والطليعي لتيار الحداثة الأدبية والشعرية العربية.

كما ركّز على أن «الآداب» كانت أيضاً منبراً تنويرياً رائداً للفكر العروبي الحضاري الجامع، وأن صاحبها سخّر منبره الناجح والمنتشر جداً وقتها، ليكون بالفعل ميداناً ثقافياً حراً ومدافعاً عن الفكر القومي، ودائماً كفضاء حيّ له الأولوية في استئناف أي فكر نهضوي عربي جدي ومنشود.

على مستوى آخر، لطالما كان الراحل سهيل إدريس يردّد أمام مسامعي إعجابه بالمفكر الفرنسي الكبير ريجيس دوبريه، الذي كان يرى في الغرب كياناً متهالكاً يستهلك ذاته في غطرسته ومركزيته دونما أدنى مراجعة.. وأنه غرب أزاح المقدس من مركز الحياة لديه ليستبدله بالمادي والاستهلاكي حتى الجشع، فبات استطراداً، مجتمعاً بلا قداسة ولا روح… ومثل هذا الانقطاع عن البعد الرمزي والمقدس، جعل هذا الغرب المادي عاجزاً عن فهم الشعوب الأخرى، التي لا تزال تعيش أفق المعنى وقلب النبض فيه، وبخاصة شعوب وطننا العربي وعالمنا الإسلامي.

كاتب وشاعر لبناني

Exit mobile version