جمال العتابي
ثمّة فارق دقيق بين أن نتلف عملاً فنياً، أو أن نعتدي على صورته كي نصنع منه عملاً آخر. الأول تخريب، أمّا الثاني فقد يتحول ـ إذا امتلك ضرورته الجمالية والفكرية ـ إلى سؤال في الفن نفسه.
هذه المسافة الملتبسة هي التي تجعل ما اصطلح على تسميته بـ «تشويه الأعمال الفنية» واحداً من أكثر وجوه الفن الحديث والمعاصر إثارة للجدل. فالفنان هنا لا يقف أمام التراث مأخوذاً بهيبة التحفة، بل يتعامل معها أحياناً بوصفها مادة قابلة للاقتباس والقصّ والإضافة والمحو وإعادة التركيب.
إنه لا يقول بالضرورة: هذه اللوحة رديئة، بل يسأل: لماذا أصبحت مقدسة؟ ومن منحها حصانتها؟ وهل يمكن للصورة التي استقرت في الذاكرة قروناً أن تولد مرة أخرى إذا أفسدنا نظامها الأول؟
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهور أصوات داعية إلى تحرير الفن من كل قيد أو شرط، باتجاه ظهور نظرية الفن الحديث التي ساعدت إلى حد بعيد على ظهور الانطباعية في الرسم. وقطع العلاقة مع السلطة والكنيسة. فظهرت الدادائية، ثم السريالية.
في الفن الأوروبي: جماعات وفنانون محترفون يتعمدون العبث بصورة العمل المعروف، أو إدخال أشياء غريبة إلى فضاء العرض، أو تحويل النفايات والأشياء المستهلكة إلى مادة فنية، بحيث يصبح الاعتراض على مفهوم الفن جزءاً من الفن ذاته.
ولعل الموناليزا هي الضحية الأثيرة لهذا النوع من العصيان. ليس لأنها أضعف الأعمال، بل لأنها الأقوى حضوراً.
فالفنان الذي يريد زعزعة الذاكرة البصرية لا يختار صورة مجهولة، إنه يحتاج إلى صورة يعرفها الجميع، وعندئذ تتحول شهرة العمل إلى مادة خام للفنان.
كان الفرنسي مارسيل دوشان (1887–1968) من أكثر فناني القرن العشرين جرأة وتأثيراً في قلب المفاهيم التقليدية للفن.
بدأ رساماً، وارتبط اسمه بالدادائية والطليعة الفنية، ثم مضى أبعد من حدود الرسم، إلى رفض الجمال، والدعوة إلى «اللا فن». وتابع محاربته للجمال في تدشين تيار جديد يقضي بتشويه بعض قمم الأعمال الفنية المشهورة، في إحدى أهم أقواله «كل عمل فني لا يصدمنا لا يستدعي اهتمامنا به»، هذه المقولة تلخص المسعى الفتي الذي انتهجه هذا الفنان المتمرد في اختراق الحدود والقواعد. يعتقد أن فن الرسم قد بلغ أقصاه، وما على الفنان سوى البحث عن أساليب وأدوات جديدة للتعبير، أساليب تخترق اللوحة والأبعاد الثنائية. لهذا يعدّ دوشان فناناً استفزازياً.
أعاد دوشان رسم «الموناليزا، بشاربين ولحية، معتمداً التحليل الفرويدي الذي يقول بان الموناليزا كانت رجلاً أحبه دافنشي، لأن الأخير كان منحرفاً كما يزعم. ولعل أشهر استفزازاته للأيقونة الفنية جاء سنة 1919، عندما أخذ نسخة مطبوعة من الموناليزا، ورسم على وجهها بقلم الرصاص شارباً ولحية صغيرة، وقد تعمد دوشان هذه الفجاجة بوصفها جزءاً من الاستفزاز الدادائي لهيبة الموناليزا وما تمثله من «قداسة» التحفة في الثقافة الغربية. المهم هنا أن دوشان لم يشوّه موناليزا ليوناردو الأصلية، وإنما تدخّل في نسخة مطبوعة منها. وهنا تحديداً تكمن أهمية «دوشان» بالنسبة إلى موضوعنا.
فهو لم يكن يريد تحسين الموناليزا ولا تقديم نسخة ساخرة منها فحسب، وإنما كان يضرب في صميم فكرة التحفة التي لا يجوز الاقتراب منها. فالشارب واللحية والعبارة ذات الإيحاء الجنسي لم تكن إضافات زخرفية، وإنما أدوات لهدم المسافة الوقورة بين المشاهد والأيقونة.
لقد نقل الموناليزا من المتحف إلى الشارع، ومن التقديس إلى السخرية.
من هنا يمكن فهم ما يبدو عداءً للجمال في بعض هذه التجارب. إنه ليس بالضرورة كراهية للجمال، بل تمرد على تعريف واحد له. لقد أراد بعض الفنانين تحرير الفن من شروط التناسق والمهارة والصنعة والموضوع النبيل، تماماً كما حرره آخرون من القماش والإطار.
لكن المفارقة أن الزمن قادر على تدجين التمرد نفسه. فالعمل الذي دخل المتحف ساخراً من المتحف ينتهي بعد عقود محفوظاً في متحف، والشيء الذي صنع للاستهزاء بسوق الفن قد يتحول إلى سلعة باهظة الثمن، والموناليزا التي «شوّهها» دوشان رمزياً، أصبحت نسخته المشوهة هي الأخرى عملاً له مكانه في تاريخ الفن.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الفن الذي تمرّد على المقدّس صار هو نفسه مقدّساً. في المسافة الملتبسة بين التحفة وتشويهها، الأصل ونسخته، الاحترام والتمرد، الجمال ونقيضه، ينهض واحد من أكثر أسئلة الفن الحديث إرباكاً وإثارة: هل يمكن أن يكون تشويه الجمال طريقة أخرى للكشف عنه؟
لقد انفلت العمل الفني من سلطة الأسلوب وسلطة المهارة، وبات خاضعاً لسلطة النظر والتسمية، إنه شبيه بالواقع، كما يذهب نيتشه، لكل متلقٍ يأتي بالمعنى الذي يرغبه ويلقيه عليه.
كاتب وصحافي عراقي

