Site icon مجلة المزمار العربي

جدوى فعل الكتابة

تحويل التجربة الفردية إلى أكثر شمولية

د. آمال بو حرب

يقول فرانز كافكا، الكاتب التشيكي الذي يُعدّ أحد أبرز الأدباء في فن الرواية والقصة القصيرة: «أعتقد أنه يجب علينا فقط قراءة النوع من الكتب التي تدمينا، بل وتغرس خناجرها فينا. وإذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا من غفلتنا، فلماذا نقرأه أساساً؟».

هذه المقولة أيقظت في ذهني سؤالاً ملحّاً ظل يرافقني كلما قرأت نصاً جديداً أو تأملت عملاً أدبياً مؤثراً: ما فائدة الكتابة إن لم توقظ في نفس القارئ الحيرة، وتدفعه إلى التفكير وإعادة النظر في المسلّمات التي اعتادها؟ وهل يكفي أن تملأ الكتابة صفحات الكتب والصحف، أم أن قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على إثارة الأسئلة وفتح آفاق جديدة للتأمل والفهم؟

في زمن تتدفق فيه الكتابات من كل اتجاه، وتغصّ وسائل النشر التقليدية والرقمية بكمّ هائل من النصوص، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يحتاج المجتمع إلى من يكرّر الأفكار ذاتها بصيغ مختلفة، أم إلى من يجرؤ على تجديدها وإعادة تقديمها من زوايا أكثر عمقاً واتساعاً؟ إن الإبداع الحقيقي لا يقوم على التكرار، بل على القدرة على رؤية الأشياء المألوفة بعين مختلفة، واكتشاف المعاني الكامنة خلف التفاصيل التي قد تبدو عادية للوهلة الأولى.

ومن هنا تبرز قضية أخرى تتعلق بطبيعة الكتابة نفسها. هل يستطيع الكاتب أن يكتب عن أي شيء وعن أي إنسان؟ وهل يملك حرية مطلقة في اختيار موضوعاته وشخصياته مهما بلغت موهبته، أم أن هناك حدوداً تفرضها البيئة التي يعيش فيها، وخبراته الشخصية، والثقافة التي تشكل وعيه ورؤيته للعالم؟

لا شك أن الكاتب يستمد جزءاً كبيراً من مادته الإبداعية من حياته وتجربته الخاصة، لكن هذه التجربة لا تكفي وحدها لصنع عمل أدبي ناجح. فالموهبة الحقيقية تكمن في تحويل التجربة الفردية إلى تجربة إنسانية أوسع، يستطيع القارئ أن يرى فيها شيئاً من ذاته وأسئلته وهمومه. فالكاتب لا يكتفي بنقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله وفق رؤيته الخاصة، ويمنحه أبعاداً جديدة تتجاوز حدود الحكاية المباشرة.

والأمثلة على ذلك كثيرة في عالم الرواية والقصة. فقد كتب الروائي الفرنسي “مارسيل بروست” أعماله داخل غرفة معزولة ذات جدران صمّاء لا تخترقها الأصوات، لكن تلك العزلة لم تكن انفصالاً عن الحياة بقدر ما كانت امتداداً لتجربة طويلة عاشها بين الناس. لقد عرف المجتمع الفرنسي الأرستقراطي عن قرب، وتأمل سلوك أفراده وعلاقاتهم وتحولاتهم، قبل أن يحوّل تلك المشاهدات إلى عالم روائي واسع ما زال حاضراً في الذاكرة الأدبية حتى اليوم.

إن خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادر على إعادة ترتيب الظواهر والأحاسيس، وتغيير ملامح الشخصيات وأنماط سلوكها، لكنه لا ينفصل تماماً عن الواقع. فحتى أكثر الأعمال خيالية أو طوباوية تستند، بصورة أو بأخرى، إلى تجربة إنسانية حقيقية. لذلك فإن وصف سكان كوكب المشتري في روايات هربرت جورج ولز، أو سكان «سالاماندر» في رواية كارِل تشابك، لا يمثل مجرد مغامرة في الخيال، بل يحمل في جوهره نقداً للمجتمع الإنساني، وتأملاً في تناقضاته ومشكلاته.

وهكذا تبدو الكتابة أكثر من مجرد عملية سرد أو تسجيل للأحداث. إنها فعل معرفة واكتشاف، ومحاولة دائمة لفهم الإنسان والعالم. والكاتب الحقيقي ليس من يملك القدرة على وصف الأشياء فقط، بل من يستطيع أن يمنحها معنى جديداً، وأن يجعل القارئ يخرج من النص مختلفاً عمّا كان عليه قبل قراءته. وعندما تنجح الكتابة في ذلك، فإنها تتحول من كلمات على الورق إلى تجربة فكرية وإنسانية تترك أثرها العميق في الوعي والوجدان.

شاعرة وناقدة تونسية

Exit mobile version