*رجلٌ يزرع الجسور لا الجدران
المزمار العربي
لم يكن عمر محمد نور الراوي مجرد اسم يمضي في دفاتر الاغتراب كما مرّ كثيرون، بل كان مشروعاً إنسانياً لصياغة انتماء جديد دون أن يفرّط في جذوره، ومحاولةً لبناء جسر بين عالمين لا يلتقيان إلا في روح رجل يختزن ذاكرة بلادٍ موجوعة ورؤية مدينةٍ تتطلّع إلى مستقبل أرحب.
وُلد في بغداد في الثامن من أيار عام 1961، غير أن نشأته في البصرة جعلته يتشرب ملوحة الماء ورائحة الميناء وصخب السفن، وكأن المدينة الجنوبية صاغت مبكراً حسّه بالتحوّل وبالعالم المفتوح خلف الأفق.
المهندس عمر الراوي
كان والده، محمد نور الراوي، رجلاً تكفي سيرته لتفسير كثير مما آل إليه الابن لاحقاً؛ فقد كان أباً اختبر معنى النزاهة في زمنٍ كانت فيه النزاهة تُعدّ ترفاً، ورفض الانتماء لحزبٍ أراد أن يختزل الدولة والوطن معاً. دفع ثمن موقفه الواضح إقصاءً واعتقالاً، ثم ظلّ أثر هذا الثمن مطبوعةً على ذاكرة العائلة كعلامة على أن الكرامة لا تأتي بلا كلفة. أما والدته، الطبيبة النمساوية هارتا موهلبرغر، فكانت نافذة على عالم آخر، أكثر اتساعاً وهدوءاً وأقل صخباً. فيها عرف عمر معنى التنقّل بين ثقافتين، ومعنى أن يحمل الإنسان لغتين في قلبه، ووجهاً مزدوجاً للهوية دون أن ينقسم إلى نصفين.
بغداد وفيينا معاً
كان البيت إذن فضاءً يلتقي فيه العراق القديم بالحداثة الأوروبية، الشرق المتعب بالغرب العقلاني، والطفل الذي سيصبح مهندساً لاحقاً لم يكن سوى نتيجة طبيعية لهذا الامتزاج؛ طفلٌ يتعلّم أن العالم أكبر بكثير من حدود مدرسة في البصرة، وأن الحياة تُفتح حين يفتح الإنسان عقله وقلقه وأسئلته.
في عام 1978، غادر عمر العراق متوجهاً إلى فيينا. كانت مغادرة عادية بالنسبة لطالب يريد إكمال دراسته الجامعية، لكنها لم تلبث أن تحولت إلى منعطف وجودي مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. الحرب، التي عصفت بكل حسابات العائدين، جعلت إقامته المؤقتة تتحوّل إلى إقامة طويلة، ثم إلى حياة كاملة تُعاد صياغتها من جديد. في فيينا بدأ الفصل الثاني من حكاية الراوي: مدينة باردة حدّ الدهشة في ظاهرها، لكنها تملك قلباً قادراً على الاحتضان لمن يعرف كيف يخاطبها بلغة العمل والانضباط.
في جامعة فيينا، درس الهندسة المدنية، فوجد فيها امتداداً لطبيعته: دقّة، منطق، هندسة للفراغ، ورغبة عميقة في فهم المدينة بوصفها كائناً حيّاً يتشكّل باستمرار. نال عام 1990 درجة الماجستير، لكنه نال قبلها خبرة التعايش مع بلدٍ جديد، وتمرّس في إدراك الفجوة بين وطنٍ تُغلق عليه الحروب وآخر يفتح أبوابه للمعرفة.
لم يكن عمر ذائباً في البيئة الجديدة، بل كان فاعلاً؛ خلال دراسته انخرط في اتحاد الطلبة النمساوي، بين 1978 و1990، وهناك أيضاً تفتّح حسّه السياسي، لكنه ظلّ في إطار الشأن الطلابي إلى أن جاء عام 1999 ليُدخله إلى قلب السياسة الأوروبية. كان ذلك حين شنّ حزب الحرية النمساوي حملة شعبوية واسعة تستهدف المهاجرين والمسلمين، فوجد عمر نفسه أمام مسؤولية لم يخترها بقدر ما فرضها عليه ضميره. ولعلّ تلك اللحظة كانت أول اختبار لقدرته على الجمع بين هويته الأصلية وهوية وطنه الجديد دون أن يفقد أحدهما.
دخل السياسة بقلب المهندس الذي يرى المجتمع مثل مدينة تحتاج إلى تخطيط طويل، لا إلى شعارات. وفي انتخابات فيينا لعام 2002 فاز بعضوية البرلمان المحلي، ومنذ ذلك الحين ظلّ صوته حاضراً على مدى ستّ دوراتٍ متتالية، مشاركاً في صياغة واحدةٍ من أهم التجارب الحضرية في العالم. كان عضواً في لجنة التخطيط العمراني والحضري، ومتحدثاً باسم الحزب الاشتراكي لقضايا السكن والمدن الذكية. عبر هذا الموقع، أسهم في أن تصبح فيينا المدينة الأولى عالمياً في جودة الحياة لعشر سنوات متعاقبة.
لكن عمر لم ينسب الإنجاز لنفسه قط، بل ظلّ يكرّر أن المدن تُبنى بإرادة سياسية وجهد جماعي. ومع ذلك، فإن أثره الحقيقي كان في تفاصيل خفية: طريقٌ خُطّط بعناية، مشروع إسكان يراعي العدالة، رؤية لتدوير النفايات تتحول إلى طاقة تدفئ 350 ألف وحدة سكنية. كان يرى المدن مثل الكائنات الحية، تحتاج إلى تنفس وتوازن، وإلى علاقة عادلة بين السكان وفضائهم العام.
ومع أنه ابن مدينتين، بغداد وفيينا، فقد بقي وفياً لآلام الأولى ومقدّراً لإنصاف الثانية. كان يعود إلى العراق كلما استطاع، يلقي المحاضرات حول تخطيط المدن، ويشارك في مؤتمرات عربية حول تطوير الحواضر. كان يدرك أن المدن العربية تحتاج قبل مشاريع الإسمنت إلى إعادة فلسفة الحياة في المدينة، وتغيير نظرة المواطن لفضائه العام، وهذا أصعب من إنشاء جسر أو نفق.
هوية بلا تناقض
على مستوى الاندماج، كان الراوي واحداً من أوائل من نظّروا لمفهوم “المواطنة المضاعفة”: أن تكون منتمياً لثقافتك الأصلية دون أن تنسحب من مسؤولياتك تجاه وطنك الجديد. قال مرة: “لسنا ضيوفاً في النمسا. نحن مواطنون، لنا خصوصيتنا، لكن ولاءنا لبلدٍ منحنا حقوقاً وفرصاً”. كان هذا المبدأ ركيزة نشاطه السياسي والاجتماعي، وقد تُوّج بإنجازات رمزية عميقة الدلالة: افتتاح أول مقبرة إسلامية في فيينا، والجهود التي بذلها لجعل الإفطار الرمضاني في القصر الرئاسي تقليداً سنوياً منذ 2003.
لقد عاش الراوي التقاطع الحاد بين الشرق والغرب، بين الديناميكيات السياسية الأوروبية وأسئلة الهوية التي لا تنتهي، لكنه أدار هذا التقاطع بحكمة المهندس الذي يبني جسراً حيث يرى الآخرون فراغاً. لم تكن السياسة بالنسبة له صراعاً على نفوذ، بل طريقة لإعادة الاعتبار لوجود الجاليات المسلمة بوصفها جزءاً من نسيج المدينة، وليس جسماً طارئاً عليها.
وفي السنوات الأخيرة، تصدر الراوي محاور نقاش دولي حول الحرب الروسية على أوكرانيا. كان موقفه متوازناً: إدانة واضحة للغزو، ودعوة إلى الحلول الدبلوماسية. كان يرفض فكرة أن تسليح أوكرانيا هدفه استنزاف روسيا، ويرى أن السؤال الأخلاقي الحقيقي هو: ماذا يحدث لو تُرك المعتدي ينتصر؟ وبقدر ما كان رأيه سياسياً، كان يعكس أيضاً خبرة رجل رأى مدناً تتدمر، وذاق آثار الحروب في طفولته.
لم يكن عمر الراوي سياسياً فحسب، بل كان إنساناً يحمل همّين: همّ مدينةٍ يسكنها اليوم، وهمّ وطنٍ يسكنه منذ الولادة. زواجه من السيدة سارة الطبطبائي، وتكوين عائلة من ثلاث بنات وولد، منح حياته اتزاناً حميماً، وجعل صورته أكثر إنسانية من مجرد سياسي ينساب في جلسات البرلمان. كان يدرك أن الانتماء ليس شعاراً، بل مسؤولية يومية؛ وأن الأب الذي يربي أبناءه على قيم العدالة واحترام الاختلاف يقدم للوطن خدمة لا تقل عن خدمة عضوٍ في البرلمان.
ظلّ أثر والدته النمساوية حاضراً في حياته حتى بعد رحيلها عام 2007، فقد كان وجودها رمزاً لعالمٍ مختلف، والتقاء ثقافتين في جسد واحد. أما والده الذي دُفع إلى التقاعد ثم إلى محنة السجون بسبب موقف أخلاقي، فقد أورثه شيئاً أكثر قيمة من الممتلكات: فكرة أن قول “لا” في وجه الظلم أول طريق “نعم” نحو كرامة الإنسان.
رحلة وعي مزدوج
إن تجربة عمر الراوي ليست قصة نجاح فردي وحسب، بل هي تجربة جيلٍ كامل من أبناء الهجرة الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بأسئلة الهوية والانتماء، فاختاروا أن يحولوا تلك الأسئلة إلى قوة دفع. هو مثال على أن الاغتراب قد يكون بداية، لا نهاية؛ وأن الهندسة ليست بناء جسورٍ من إسمنت فقط، بل بناء جسور بين ثقافات وشعوب ووجدانين.
ربما كان الأجمل في سيرة الراوي أنه لم يتخلّ عن أي من عالميه: لم يذُب في المجتمع النمساوي حتى يفقد جذوره، ولم يبقَ أسير الحنين حتى يفقد واقعه. ظلّ واقفاً في المنطقة الرمادية بينهما، يصنع منها مساحته الخاصة، ويمنحها معنى جديداً. وهذه المساحة هي سرّ قصته: رجلٌ صاغ هويته كما يصوغ المهندس مخطط مدينة، بوعي ورؤية ومزيج من الواقعية والحلم.
وهكذا، فإن سيرة عمر الراوي ليست مجرد انتقال من بغداد إلى فيينا، بل انتقال من مرحلة إلى أخرى، من حياة إلى أخرى، ومن رؤيةٍ للعالم إلى رؤية أوسع. إنها سيرة رجل فهم أن الإنسان يمكن أن يكون ابن مدينتين، وابن ثقافتين، دون أن يخون أيهما. وفهم أن السياسة حين تكون أخلاقاً تتحول إلى خدمة، وأن الهندسة حين تكون رؤية تتحول إلى لغة للحياة.
رئيس التحرير

