Site icon المزمار الجديد

حين يفرح الضحية

ثورة حسام الدين كردية

بعد عام من تحرير سوريا ما زال مجتمعنا الذي عاش الكارثة، وأنا منهم، ومن عرف الفقد والاختفاء القسري والإعدامات التعسفية، ظلت أدوات التعذيب تعيش، للأسف، في خيالنا وفي ضمائرنا رموزاً للموت. فهي ليست مجرد أدوات، بل أشياء لمسها معتقلونا ومرت على أجسادهم بالذاكرة الحية، تقطع الطريق على النسيان وتذكّر بأن العدل لم يأت بعد.

ومن بين هذه الرموز، تبقى المشنقة واحدة من أكثرها قسوة لأنها ربما الأقدم والأكثر انتشاراً كدليل على قتل الأبرياء من السوريين عبر عشرات السنين، وهي تحمل على حبالها أثقل ما يمكن أن يعلقه التاريخ من أسماء أحبّة لم يعودوا، وحقوق لم تسترد، وقصص انقطعت نهاية فصولها الموحشة.

وأنا أمر بذاكرتي الحيّة، وبعد عام على سقوط الجلاد، شاهدت على منصة فيسبوك خبر احتفال وسيلة إعلامية بذكرى تأسيسها عبر عرض حبل مشنقة حقيقية من سجن صيدنايا الشهير. أحسست برعشة الحزن الممزوج بالخوف عند تأمل الصورة التي أظن أن عليها دماء بشرية متجمّدة. حقاً شعرت أن استخدام هذا الرمز بهذا الشكل وقبل تحقق العدالة فيه إساءة للضحايا ولذويهم، فأدوات التعذيب في سياق التحقيق والمحاكمات هي أدلة وشهود على الجريمة، قبل أن يكون لها هذا الدور الصوري، لأن استخدامها في أي مكان آخر يحولها إلى أداة للتلاعب بالوجدان، يوم تتحول من علامة تحذرنا من الظلم إلى مشهد يستغل للفرجة أو الدعاية أو لتزييف المعنى الأخلاقي للذاكرة.

أولًا: استخدام هذه الأدوات قبل العدالة الانتقالية وحين تتحول الرموز إلى ندبة مفتوحة!

قبل أن تتحقق العدالة، تكون المشنقة رمزاً للألم محمّلة بثقل الفقد وإلى ذكرى مرور أحبتنا من هنا، فأي توظيف لها سواء كان إعلامياً أو سياسياً أو استعراضياً يبدو كأنه انتهاك جديد، وكأن اليد التي وضعت الرأس على الحبل تعود لتمارس همجيتها من جديد.

من الناحية النفسية، أرى أن التعامل مع هذه الرموز قبل العدالة يشبه نبش قبور أبنائنا الذين لم نعرف أماكنها بعد، أو كما يبدو كدفن للحقيقة التي لم تظهر بعد. فالضحايا وذووهم يعيشون في مرحلة ما قبل الاعتراف:

• لا مساءلة للجناة..

• لا كشف للحقيقة..

• لا محاسبة ولا اعتذار، بل بلا تعويض يعيد إليهم شيئاً من التوازن المفقود.

في هذه المرحلة، تتحول المشنقة وغيرها من رموز شنيعة للتعذيب إلى أداة لتعذيب الزوجات والأمهات والأبناء، وإلى أداة تذكّر الناجين بأن الجريمة ما زالت بلا اسم، وأن القاتل ربما يشاهد هذا العرض بنفسه من خلف الكواليس أو من مقعد.

هكذا يصبح وضع المشنقة في مسرح مضاء بالأضواء، وبين رجال بربطات عنق، شكلاً من تحويل الألم إلى سلعة واستثمار للموت، وتحويله إلى فرجة، يوم تتفاقم لدى الأهالي مشاعر شتى: الإهانة والعجز وتجدد الصدمة.

فالرمز، بدلاً من أن يحفظ الذاكرة يجرحها من جديد.

ثانياً: بعد العدالة الانتقالية وحين يتحول الرمز من أداة قمع إلى شاهد على الانتصار الأخلاقي!

عندما تتحقق العدالة الانتقالية بمعناها الحقيقي، وأعني هنا كشف الحقيقة، محاسبة الجناة، الاعتراف الرسمي، التعويض، وإصلاح المؤسسات، يصبح التعامل مع الرموز مختلفاً جذرياً.

بعد العدالة، يمكن للمشنقة أن تتحول من رمز للموت إلى رمز للنجاة من الاستبداد، ومن علامة على ضياع العدالة إلى شاهد على استعادتِها.

تعرض حينها ليست لخلق إثارة رخيصة، بل لتذكير الأجيال بأن القانون انتصر على العنف، وأن محاسبة الفاعلين جعلت من الرمز وثيقة مكتملة المعنى.

ومن منظور نفسي وإنساني، يصبح الرمز جزءاً من عملية التعافي الجماعي:

يساعد الضحايا على تثبيت السردية الصحيحة للحدث؛ ويمنحهم إحساساً بأن المجتمع يعترف بخسارتهم ولا يتاجر بها؛ أضف إلى أنه يحرر الرمز من وطأة الصدمة، ليصبح وسيلة للتعلم لا للتعذيب الوجداني؛ فضلاً عن أنه يمنح للألم منع تكرار الجريمة.

إن صورة المشنقة بعد العدالة تختلف كلياً عن صورتها قبلها:

قبل العدالة هي تهديد، وبعد العدالة هي درس. وبين الصورتين هناك مسؤولية أخلاقية كبرى، فاستخدام المشنقة كرمز قبل تحقيق العدالة هو مصادرة للسردية الحقيقية التي يجب أن تكشفها المحاكم، أما استخدام أدوات التعذيب كأداة عرض بعد تحقق العدالة فيحولها إلى مساحة للإحساس بالكرامة، ومكان لشكر التضحيات التي منحتنا هذا الإحساس بالكرامة، وتصبح دليلاً على أن القاتل تمت محاكمته. وتصبح دليلاً على التعافي الذي كنا نحلم به في فترة ما بعد سقوط النظام.

المشنقة ليست مجرد حبل، وإنما هي ذاكرة مكثفة، لا يجوز أن تتحول إلى دُعابة أو استعراض أو سلعة إعلامية.

العدالة الانتقالية ليست حدثاً قانونياً فحسب؛ إنها فعل احترام للذاكرة الإنسانية، وتطهير للرموز من الدم الذي علق بها وبنا.

كاتبة سورية مقيمة في النمسا

Exit mobile version