نور البليخ
سلامٌ لوحدتي، سلامٌ لنفسي التي وحدها من تفهمني، سلامٌ لقلبي البريء الذي لا يرى الحياة إلا ربيعاً وحديقةً من الورد.
لكِ أكتب، يا روحي التي تعبت وذاقت سنين من العذاب، وعاشت على نافذة الأمل تُطلّ وترى الأفقَ البعيدَ الكالحَ بياضاً ووَهجاً.
لكلّ لمعةٍ من عيوني كانت بعد دمعة، أرى منكِ لوناً مضيئاً يعيد إليّ صحوتي، ويوقظني من الأوهام.
ولكلّ الآمال التي اختبأت داخلي أعواماً طوالاً، اخرجي، وارتوي من ضوء الشمس الساطع، ولا تكوني محالاً.
عِديني أنكِ يوماً ما سترتدين ثياب الحقيقة.
لقدميَّ الجريحتين من وقفتهما الطويلة، أنتما اللتان كنتما سلاحي، اللتان أوقفتاني وقوّيتاني، وجعلتاني أسير في ظلمة الليالي إلى أعالي الجبال، هناك فوق هضاب الأماني.
لم تزلّا يوماً، وحملتُماني وأنا في أضعف أيامي، وأنا منهكة، لكنكما كنتما العونَ الذي رفعني، وجبرني على النهوض، رغم قسوة الصفعات التي جاءت من كل الجهات ذات يوم.
إلى يديَّ اللتين باتتا ضعيفتين، وبان عليهما أثرُ السنين، لكما تحيّةُ حبٍّ على الاستمرار، رغم العجلةِ التي أنا فيها، والتي تدور دون انتهاء.
لكنّكما صمدتما، وودّعتما كلَّ وهن، وكنتُما يدين حنونتين تُطبّبان على قلبي في كل حين.
إلى شفتيَّ المبتسمتين دوماً، اللتين حاولتا باستمرار عكسَ ما في داخلي، والإيحاء بأنّ كلّ شيء على ما يرام، رغم الكسور والجروح العميقة التي عانيتُها، لكما منّي قبعةَ شرف، لأنكما كنتما الأقوى.
فلم تكن ابتسامتي عليكما يومًا صعبة، لأنني كنت أريد أن أظهر بمظهر الحاكم الذي يدير الأمّة، ولا تهزّه أيادي الطغاة.
لقلبي الجميل، ولمشاعره الصاحية دوماً، ونبضاته الخفيفة، أنتَ الجندي المجهول الذي كان خلف الكواليس، مخرجًا لقصص حياتي.
أنتَ الذي أخرجتَ سيناريو أوقاتي، وكيف أمضيها، وكيف أكون، وماذا أفعل.
أنتَ، نعم، أكثر من عقلي، فأنا عاطفية جدّاً، كنتُ أسمعك ماذا تقول، وأقول لك: “أمراً وطاعة”.
دمتَ صديقاً لي، يفهمني، ويشاركني كلّ لحظاتي.
أهنّئ نفسي على ما أنا عليه.
كلّ شيءٍ الآن أصبح هشيماً بالنسبة لي: لا شخصٌ يوقفني، ولا أحدٌ يُغريني، ولا نفسٌ تؤرّقني، ولا أحدٌ يُبكيني، ولا يُضحكني.
أنا وحدي لنفسي، ونفسي وحدها لي.
**
ضجيجُ التلاميذ وصدى أصواتهم ملأ الطرقاتِ في أحدِ صباحاتِ يومِ الاثنين في فيينا.
كان أحدُهم يبيع مثلثاتِ البيتزا بسعرِ يورَين فقط، وامتدّ طابورُ الطلّاب أمامه حتى تجاوز الشارعَ ووصل إلى محطةِ الباص، حيثُ تجمّع المعلّمون والمعلّمات في انتظارِ الباص، فهم أيضاً أنهوا مهمّتَهم لهذا اليوم.
التدريسُ هو أنبلُ مهنةٍ في العالم بالنسبة إليّ، فعلى أيدي المعلّمين تكبُر الأجيال، ويولد الأطباءُ والمهندسون، ويُبنى المستقبلُ الكبيرُ الذي نحلم به منذ أن كنّا صغاراً نحمل حقائبَنا الكبيرة، حتى يشتعلَ الرأسُ شيباً.
هنا كلُّ شيءٍ يسير على قدمٍ واحدةٍ، منظّماً، مرتّباً، ومنضبطاً، لكنّ الالتزامَ الزائدَ بالقوانين قد يُسبّب المللَ أحياناً.
فهنا لا يمكنك أن ترى شخصاً يتجاوز إشارةَ المرور، ولا سائقَ تاكسي يتأخّر عن موعده ليُقِلَّك إلى وجهتك، ولا طبيباً لا يُرسل إليك بريداً إلكترونياً يُخبرك فيه بأنّ عليك الحضورَ في التاريخ المحدَّد كي لا تفوّتَ موعدك معه، فيضيعَ وقتُ الطبيب هدَراً بانتظارك كما ضاعت أيّامُنا وأوقاتُنا وحياتُنا هنا هدَراً.
يا لسرعةِ الوقتِ المخيفة! تنظر إلى الساعة فتجدها العاشرةَ صباحاً، ثم تنظر بعد قليل فتكون قد قاربت العاشرةَ ليلاً، وكأنّ الوقتَ أصبح شبحاً يريد أن ينقضَّ عليك ويلتهمَك، كما انقضّت الحياةُ علينا والتهمتنا، ورمت خلفها رفاتَ أحلامِنا التي بقيت أحلاماً، وبقينا نحن نركض خلفها دون جدوى.
وانتهى بنا المطافُ في مكانٍ غريبٍ، لا تفوح في طرقاتِه رائحةُ الياسمين، ولا ترمي أشجارُه ذهبَ أيلول فوق رؤوسِنا.
فمَن المذنبُ في كلِّ هذا؟ أهو القدرُ أم نحنُ بنو البشر؟
طالبة هندسة مدنية – جامعة فيينا

