أميرة ناجي
هناك لحظة تسبق كل شيء، لحظة لا اسم لها بعد، ولا حدود تفصل الكائن عن المادة. في تلك المنطقة بين العدم والتكوّن، يبدو الطين أقرب المواد إلى سرّ البداية؛ لأنه يحمل في ليونته احتمال كل شكل، ثم يحتفظ بعد احتراقه بأثر اليد. من هذه المنطقة يمكن الاقتراب من تجربة الفنان رحيم جبّار، الذي لا يتعامل مع الطين مادةً للخزف، بل ذاكرةً أولى تحمل سؤال الخلق والإنسان عن أصله ومصيره.
تبدو أعماله كأنها خرجت من زمن لم يستقر فيه العالم على صورته النهائية. أجساد طينية طويلة ترتفع مثل شواهد غامضة، وفتحات تتكاثر على سطوحها، ودوائر تتجاور كخلايا، وأشكال عضوية تنتفخ ثم تنفتح على فراغاتها.
لذلك يبدو العمل أقرب إلى كائن في طور التكوّن منه إلى كتلة خزفية ساكنة؛ فالطين هنا جسد له مسام وذاكرة وتنفّس.
«من التراب خُلقتَ، وإلى التراب تعود». ليست هذه العبارة في تجربة الفنان مجرد حكمة عن البداية والنهاية، بل يمكن أن تصبح مفتاحاً بصرياً للدخول إلى أعماله. فالطين عنده يمرّ بتحول شبيه بتحول الإنسان: مادة رخوة، قابلة للتشكّل، ثم جسد يكتسب صلابته بالنار، لكنه لا يفقد تماماً أثر ضعفه الأول. وقوة الخزف هنا في مفارقته: مادة صلبة بعد الحرق، تحمل ذاكرة الطين واليد والماء والنار.
في أعماله يلفت النظر البناء العمودي القريب من هيئة المسلّة أو الشاهد، لكنه لا يستقر على هندسة خالصة. تنمو الكتلة إلى الأعلى وتتوجها نتوءات عضوية، بينما يتوسطها تكوين يبدو كمشهد ولادة أو تشابك لأجساد أولى. إنها منطقة بين التشخيص والتجريد، بين الجسد والنبات، بين الجنين والجذر، وهذا الالتباس يمنح العين فرصة للمشاركة في خلق المعنى.
أما الثقوب المنتشرة في أجزاء العمل، فإنها عنصر بنائي وفكري. الثقب هنا يعني غياب المادة، لكنه، معاً، يعلن حضور الفراغ. وكأن الفنان يقول إن الحياة لا تتأسس على الامتلاء وحده، بل تحتاج إلى مساحات خالية تتنفس من خلالها. لذلك تتحول الفتحات الصغيرة إلى مسام، والمسام إلى خلايا، والخلايا إلى شبكة تشبه نسيجاً حيّاً لا يتوقف عن الانقسام.
الفنان التشكيلي رحيم جبار في مرسمه
وفي مواضع أخرى من الأعمال، تتحول الفتحات إلى دوائر أكبر وأكثر بروزاً، كأنها تجاويف أو أفواه صغيرة معلقة على جسد العمل. وهي تثير إحساساً عضوياً قوياً؛ فالعين قد تراها آذاناً أو أفواهاً، أو تجاويف كهوف، أو خلايا متضخّمة، أو بذوراً تنتظر أن تنفتح. هذه القدرة تجعل أعماله مفتوحة على مخيلة المتلقي؛ فهو لا يفرض المعنى، بل يضع نظامًا من العلامات ويترك لنا إعادة ترتيبه.
في أعمال أخرى، يبدو الفراغ أكثر حضوراً. هناك فتحة مركزية واسعة تحيط بها كتلة عضوية كثيفة، فيما تنتشر على السطح آلاف الثقوب الدقيقة، وتتجمّع في أسفل التكوين أشكال دائرية نافرة تشبه البراعم أو الأجسام الخلوية. وهنا يتحول الفراغ إلى بؤرة للعمل، ليس ثقبًا داخل المادة، بل مركزاً بصرياً تدور حوله الكتلة كلها. كأن الفنان منح العدم جسداً، وجعل الفراغ هو قلب المنحوتة.
وهذه الفكرة تقودنا إلى واحدة من أكثر القراءات إثارة في هذه التجربة.
ماذا لو كان الخلق لا يبدأ من الامتلاء، بل من الفراغ؟ ماذا لو كانت الحفرة الأولى هي التي تسمح للضوء بالدخول، وللشكل بأن يكتشف حدوده؟ في أعمال جبار يصبح الفراغ شريكًا في النحت؛ فاليد لا تنحت المادة وحدها، وإنما تنحت ما يحيط بها أيضًا. كل فتحة هي مساحة لم تعد موجودة، لكنها بسبب غيابها أصبحت أكثر حضورًا
وفي أحد أعماله تتكاثف الثقوب حول فتحة مركزية كبيرة، فتبدو الكتلة كأنها كائن يحدق من خلال عين واحدة، أو بوابة عضوية في جسد الطين. وحولها نتوءات دائرية متفاوتة الحجم تجعل السطح يبدو حياً. وفي الأسفل صف منتظم من الوحدات الكروية، ينتقل فيه الفنان من
الفوضى العضوية إلى النظام والإيقاع، ومن الخلية المفردة إلى المجموعة، ومن الكتلة إلى الفراغ.
ومن اللافت كذلك حضور الخطوط والدوائر والعلامات التي تظهر في الجزء السفلي من بعض الأعمال. إنها تستدعي بصريًا فكرة الكتابة الأولى، ولا سيما عندما نتذكر أن الطين كان في بلاد الرافدين حاملاً للذاكرة الإنسانية قبل أن يصبح الخزف فنّاً. على ألواح الطين وُلدت العلامة، ومنها بدأ الإنسان يحصي ويكتب ويسجل ويترك أثره.
لذلك، فإن ظهور الشبكات والعلامات المحفورة في أعمال الفنان رحيم يمكن أن يُقرأ باعتباره استعادة معاصرة لذاكرة اللوح الطيني، لكن من دون الوقوع في النقل المباشر للعلامة المسمارية. وهنا تتقدم خصوصية التجربة خطوة أخرى.
الفنان لا يستعيد الموروث الرافديني على هيئة رموز جاهزة، ولا يضع الثور المجنح أو الملك أو الإله في واجهة العمل كي يقول لنا إن هذا عمل مستلهم من حضارة وادي الرافدين. إنه يستعيد أعمق من ذلك؛ يستعيد المادة نفسها، ومنطق العلامة، وفكرة التسجيل، وعلاقة الإنسان بالطين، مادةً للخلق والكتابة والذاكرة. هذه استعادة تستحضر روح الماضي.
يمكن النظر إلى هذه الأعمال من زاوية بيولوجية. فالثقوب تذكر بالخلايا، والدوائر بالبيوض والبذور، والنتوءات بالبراعم. لكنه لا يقدم درسًا في الأحياء، بل يستخدم هذه المفردات ليصوغ سؤالاً فلسفياً:
كيف تتحول الوحدة الصغيرة إلى كيان كامل؟ وكيف يتولد النظام من تكرار عناصر بسيطة؟ إن تكرار الدائرة لا يؤدي إلى الملل، لأن كل دائرة تختلف قليلًا عن الأخرى، فتظل الوحدة محافظة على فرديتها وهي تدخل في بنية أكبر.
وهنا يصبح التكرار فعلًا من أفعال الخلق. فالخلية تتكرر، والبذرة تتكرر، والذاكرة تتكرر، وحتى الحضارات تعيد إنتاج أسئلتها القديمة بأشكال جديدة. لا يريد الفنان أن يرسم الحياة، بل أن يجعلنا نشعر بإيقاعها الداخلي حين يتحول الطين إلى آلاف العلامات الصغيرة.
وتبدو النار، وإن غابت عن الصورة، حاضرة في المعنى. فالخزف فن التحول بامتياز: الماء يمنح الطين مرونته، واليد شكله، والهواء يجففه، والنار تمنحه صلابته. لذلك، فالعمل النهائي نتيجة حوار بين المادة والعناصر، وما ينجو من النار يصبح شاهداً على ولادة فيها احتمال الانهيار كما فيها احتمال البقاء.
لهذا لا أرى أعمال رحيم جبّار مجرد منحوتات خزفية مثقبة، بل محاولات لاستعادة السؤال الأول: كيف بدأنا؟ ومن أين جاء الشكل؟ وما الذي يجعل مادة صامتة قادرة على استحضار جسد وخلية وبذرة وذاكرة وحضارة؟ قوتها لا تكمن في جمال السطح فقط، بل في تحويل المادة إلى سؤال.
وربّما لهذا تبدو أجسادها العمودية شبيهة بشواهد مجهولة الهوية: لا تروي قصة شخص بعينه، بل تحفظ أثر وجود الإنسان. إنها تقف بين الأرض والسماء، كما يقف الإنسان بين أصله الترابي وحلمه بتجاوز المادة. وفي ثقوبها يمكن أن نرى آثار الزمن، أو نجوماً سقطت على الطين، أو مسام جسد كوني يتنفس، وفي فراغاتها المركزية العين الأولى، أو الرحم، أو بوابة الوجود.
رحيم جبار، في هذه الأعمال، لا يعيدنا إلى الطين كي يعيدنا إلى الماضي، وإنما يعيد الطين إلى الحاضر كي يذكّرنا بأن أكثر الأشياء حداثة قد تكون كامنة في أقدم مادة عرفها الإنسان. فالطين الذي حمل أولى العلامات، والذي صاغت منه المخيلة القديمة أجساد الآلهة والبشر، يعود هنا بلغة معاصرة، مثقوبًا ومفتوحاً ومتعدد الطبقات. وبينما كانت الكتابة القديمة تسجل ما حدث، يبدو الفنان وكأنه ينحت ما لم يحدث بعد؛ ينحت الاحتمال، والولادة، والفراغ الذي ينتظر أن يمتلئ.
إنها أعمال تقف بين الخزف والنحت، وبين العلامة والجسد، وبين التراث والتجريد. ومن رحم الطين يخرج سِفر الخلق الأول، لا حكاية مكتملة، بل سؤال مفتوح. كل ثقب فيه نقطة في جملة لم تُكتب كاملة، وكل دائرة نواة لشيء سيأتي، وكل فراغ مساحة لنكمل نحن ما بدأه الفنان.
وفي النهاية، يبقى الطين هو البطل الخفي لهذه التجربة. يفتح الفنان في الجسد الطيني نافذة، ويترك الفراغ يتكلم، ويجعل من التكرار لغة، ومن الثقب ذاكرة، ومن العلامة أثراً، ومن الكتلة كائناً يوشك أن يتنفس. وهكذا يصبح الخزف عند رحيم جبار أكثر من مجرد مادة؛ يصبح سيرة مختصرة للوجود، تبدأ من حفرة صغيرة في الطين وتتسع حتى تصير كوناً.
ناقدة وفنانة تشكيلية عراقية

