Site icon مجلة المزمار العربي

زيدان يشعل مدرجات فرنسا

زين الدين زيدان

عبد الكريم البليخ

قبل أن يخطو زين الدين زيدان خطواته الأولى على خط التماس مدرباً للمنتخب الفرنسي أمام جماهير بلاده، كانت المدرجات قد اشتعلت بالفعل. ثمانون ألف تذكرة لمواجهة إيطاليا في دوري الأمم الأوروبية على ملعب «دو فرانس» في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول نفدت في أقل من أربع وعشرين ساعة، وكأن الجمهور الفرنسي لم ينتظر صافرة البداية كي يعلن موقفه: زيدان عاد، وفرنسا تستعد لليلة كروية استثنائية.

ليست المسألة مباراة عادية، ولا مجرد ظهور أول لمدرب جديد أمام جماهيره، بل عودة اسم عاش الفرنسيون معه سنوات من المجد، وصار جزءاً من الذاكرة الرياضية للبلاد. فالذين ملأوا المدرجات أو تسابقوا للحصول على تذاكر المباراة لا يذهبون فقط لمشاهدة فرنسا أمام إيطاليا، بل لمشاهدة زيدان وهو يبدأ فصلاً جديداً من علاقة لم تنقطع يوماً بينه وبين القميص الأزرق.

الحماس الكبير الذي اجتاح الجماهير الفرنسية يعكس شيئاً أبعد من شعبية المدرب الجديد. إنه حنين كروي إلى زمن الانتصارات، ورغبة في استعادة روح المنافسة الكبرى، خصوصاً أن اسم زيدان وحده يكفي لرفع حرارة الترقب.

لاعب حمل فرنسا إلى قمم كروية كبرى، ثم مدرب صنع مع ريال مدريد واحدة من أقوى الفترات في تاريخ النادي، بعدما قاده إلى ثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا، إلى جانب لقبين في الدوري الإسباني وبطولات أخرى.

لكن كرة القدم لا تعيش على الماضي وحده. وهنا يبدأ التحدي الحقيقي.

فالمدرج الذي يهتف لزيدان اليوم قد يطالبه بالانتصار غداً، والحب الذي يمنحه الجمهور قد يتحول سريعاً إلى ضغط هائل إذا تأخرت النتائج. لذلك سيجد زيدان نفسه منذ اللحظة الأولى أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على وهج الاسم، ويحوّله في الوقت نفسه إلى مشروع كروي قادر على المنافسة؟

العمل مع المنتخب الوطني مختلف تماماً عن تجربته السابقة في ريال مدريد. ففي النادي، كان يملك لاعبيه يومياً، يراقب التفاصيل، يجرّب، يصحح ويعيد البناء. أما مع المنتخب، فكل شيء أسرع وأكثر قسوة؛ أيام قليلة من التدريب، مباريات متتالية، ضغط جماهيري، ومساحة محدودة جداً للخطأ.

وسيكون خط الوسط من أبرز المناطق التي ينتظر أن يضع زيدان بصمته عليها. فهو يعرف هذه المساحة كما يعرف اللاعب مفاتيح لعبته، وقد كانت محور نجاحاته لاعباً ومدرباً. وفي منتخب يمتلك طاقات هجومية كبيرة، قد تكون المهمّة الأهم هي إيجاد التوازن، وربط الخطوط، ومنح الفريق القدرة على التحكم بالمباراة لا الاكتفاء بمجاراة الخصم.

زيدان سيجد أمامه جيلاً جديداً، مختلفاً عن نجوم ريال مدريد الذين عمل معهم سابقاً، لكنه سيحمل معه العقلية ذاتها: الفوز أولاً، وإدارة المباريات بذكاء، والقدرة على تحويل الضغط إلى قوة.

ومواجهة إيطاليا تحديداً تمنح البداية نكهة خاصة. فالاسم كبير، والخصم كبير، والمدرجات ممتلئة، والأنظار كلها ستتجه إلى رجل واحد يقف أمام مقاعد البدلاء ويراقب كل حركة في الملعب. هناك لن يكون زيدان مجرد أسطورة سابقة، بل مدرباً تحت الاختبار.

ولهذا، فإن نفاد التذاكر ليس مجرد رقم تجاري أو حدث جماهيري. إنه رسالة واضحة بأن فرنسا تريد أن تعيش مع زيدان مرحلة جديدة، وأن الجمهور مستعد للانفجار حماساً منذ المباراة الأولى على أرضه.

لكن كرة القدم لا تمنح أحداً امتيازاً بسبب تاريخه. حين تنطلق المباراة، تسقط الأسماء ويبقى الأداء، وتنتهي الذكريات وتبدأ الحسابات.

المدرجات أعلنت البداية قبل صافرة الحكم، والحماس وصل إلى ذروته، والفرنسيون ينتظرون لحظة ظهور زيدان أمامهم مدرباً لمنتخب بلادهم.

السؤال الذي سيظل معلّقاً فوق «دو فرانس» فهو بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه: هل يبدأ زيدان من حيث انتهت أسطورته، أم يبدأ الآن رحلة جديدة لصناعة أسطورة أخرى؟

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version