Site icon المزمار الجديد

شادي عبد السلام صانع المومياء الخالد

مجدي جادو

في الرابع من نوفمبر عام 1922م، اكتشف عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر مقبرة الملك المصري الشاب توت عنخ آمون، وكان حدثاً عالمياً حضرته ونقلته الصحف البريطانية التي رافقت بعثة كارتر في وادي الملوك بمدينة الأقصر جنوب مصر. وبعدها أُثيرت ضجة كبيرة حول سرقة خمسة آلاف قطعة أثرية من مقتنيات الملك ومحتويات مقبرة الملك الذهبي، وتم اتهام هوارد كارتر بنقل القطع إلى لندن لحسابه الخاص دون علم الحكومة المصرية والمندوب السامي البريطاني، وتم وقف عمليات كارتر في البحث والتنقيب عن الآثار في مصر، وانتهت حياة عالم المصريات الأشهر عام 1923 بسبب الملاريا التي أصابته من بعوض المقابر، وقيل حينها إن لعنة الفراعنة قد أصابته.

وفي عام 1969 قدم الشاب المصري شادي عبد السلام إلى المؤسسة المصرية العامة للسينما فكرة وقصة فيلم سينمائي روائي بعنوان المومياء، الذي استوحاه من حادثة واقعية وحقيقية حدثت في صعيد مصر عام 1871م، عن وقوع عائلة من الصعيد في قبضة السلطات الأمنية المصرية بسبب تمرسها في الحفر والتنقيب عن الآثار وبيعها وتهريبها خارج البلاد. وتم كشف عمليات القبيلة عن طريق بلاغ تقدم به أحد أبناء العائلة بعد وفاة والده كبير العائلة والتوقف عن ممارسة العمل الإجرامي، بينما هدد عمه بقتله وإخوته، وبالفعل قتل شقيقه الأكبر، فما كان من الشاب إلا أن اختفى عن الأنظار وقدم لهيئة الآثار المصرية والجهات الأمنية تفاصيل كاملة عن ممارسات العائلة.

شادي عبد السلام

والفيلم، الذي يعد الثالث في قائمة أفضل مائة فيلم مصري، نال إعجاب وتقدير مهرجانات السينما في موسكو وباريس وبرلين، وحقق شادي عبد السلام شهرة واسعة بين مخرجي السينما العالمية في تلك الفترة، وما زال من الأسماء البارزة في تاريخ الإخراج السينمائي المصري، إلى جانب براعته في كتابة السيناريو والحوار، كما ظهر في فيلم المومياء الذي تم إنتاجه عام 1969م، وبلغت مدته 102 دقيقة، وظل يُعرض في مهرجانات وعروض خاصة حتى تم عرضه تجارياً وجماهيرياً عام 1975، وقام ببطولته أحمد مرعي ونادية لطفي.

شادي عبد السلام من مواليد الإسكندرية في 15 مارس عام 1930م، وتخرج في كلية فيكتوريا عام 1948م، وبعد عام من التخرج سافر إلى لندن ودرس فنون المسرح، وعاد إلى القاهرة عام 1951 ليدرس الفنون الجميلة، وتخرج عام 1955. وتعلم الفن المعماري على يد المهندس الشهير حسن فتحي، الذي يُلقب بشيخ المعماريين في العالم، ومن خلاله تعرف على فنون العمارة الإسلامية. وبدأ شادي حياته العملية مصمماً للديكور ثم مساعداً للإخراج، وعمل في الفيلم البولندي (الفرعون)، وصمم ديكورات وأزياء الممثلين بالفيلم، كما عمل مساعداً للمخرج أندرو مارتون في فيلم (وإسلاماه)، وعمل في فيلم الحضارة وفيلم كليوباترا، وهي أفلام من إنتاج السينما الإيطالية. ثم بدأ في تقديم أفلام من إخراجه وإنتاجه، أبرزها الفلاح الفصيح، وحصل على جائزة مهرجان فينيسيا للأفلام القصيرة، وفيلم جيوش الشمس، وكرسي توت عنخ آمون الذهبي، وهي أفلام تؤكد شغفه بالآثار والحضارة المصرية القديمة.

كان مصمماً رائعاً أبدع في تصميم ديكورات وملابس أفلام خالدة، منها الناصر صلاح الدين مع المخرج يوسف شاهين، وأمير الدهاء، ورابعة العدوية، وبين القصرين عن قصة نجيب محفوظ، والسمان والخريف. وعمل مديراً للأفلام التجريبية بوزارة الثقافة المصرية، وقام بالتدريس في المعهد العالي للسينما نحو خمس سنوات بدءاً من عام 1963م. كما قام بالتحضير والتجهيز لمشروع سينمائي ضخم هو فيلم مأساة البيت الكبير عن حياة الملك المصري القديم أخناتون، إلا أنه لم يخرج إلى النور بسبب وفاته في القاهرة في الثامن من أكتوبر عام 1986م.

عاش شادي عبد السلام شغوفاً بالتاريخ المصري القديم، وما زال اسمه خالداً. وقد كرمته مكتبة الإسكندرية وأقامت معرضاً دائماً باسمه يضم لوحاته، وصوراً التقطها من أفلامه، ومقتنيات شخصية له من أثاث مكتبه، وكذلك مكتبته الخاصة، بينما تعرض قاعة آفاق الملحقة بالمعرض أفلامه وأحاديثه والبرامج الوثائقية التي تتناول أعماله وسيرة حياته… شادي عبد السلام سيظل اسمه خالداً خلود المومياء.

كاتب وصحافي مصري

Exit mobile version