Site icon مجلة المزمار العربي

عبد السلام العجيلي .. ذاكرة الرّقة التي لا تغيب

العجيلي كاتباً موهوباً ومجدداً

عبد الكريم البليخ

عُرف الأديب الراحل عبد السلام العجيلي كاتباً موهوباً ومجدّداً، أسهم في تأسيس فن قصصي عربي شديد الخصوصية، مزج فيه بين تقنيات السرد الحديث وروح الحكاية العربية القديمة. كان في قصصه ورواياته ومقالاته حكّاءً بالفطرة، يعرف كيف يبدأ الحكاية، وكيف يشدّ القارئ إليها، وكيف يترك في نهايتها سؤالاً أو غصّة أو ابتسامة ذات معنى. وحتى في مجالسه العامة والخاصة، كان يمتلك حضوراً آسراً؛ يصغي إليه الناس من غير أن يأمرهم بالصمت، وينجذبون إلى حديثه لما يحمله من لطف وذكاء وأدب واحترام.

فالعجيلي يعد واحداً من أبرز الرموز الثقافية والإنسانية التي أنجبتها الرّقة، وربما كان سرّ حضوره العميق في وجدان أهلها أنه لم يتعامل مع نفسه بوصفه رمزاً بعيداً عن الناس، بل ظلّ واحداً منهم؛ يشبههم في تواضعهم، وفي صمتهم، وفي قدرتهم على العمل من غير ضجيج أو ادّعاء. كان إنساناً بسيطاً في مظهره وسلوكه، يُجالس الناس في المقاهي، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويدخل بيوتهم من غير أن تسبقه ألقابه أو مناصبه.

لم يكن يتباهى بكونه طبيباً أمام البسطاء، ولا بكونه أديباً أمام المثقفين، ولا يلوّح بتاريخه السياسي حين يجالس المسؤولين. كان يعرف أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تحتاج إلى إعلان، وأن من يملك حضوراً أصيلاً لا يضطر إلى رفع صوته كي يراه الآخرون. ولهذا تحوّل العجيلي إلى رمز مركّب وفائق التأثير، أحبّه أهل الرّقة على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم؛ من راعي الغنم في البادية إلى حامل أعلى الشهادات الجامعية.

العجيلي في رحلاته وأسفاره طاف بلداناً كثيرة، ثم عاد ليودع مشاهداته وتأمّلاته في كتبه التي ناهزت الخمسين.

كان يسافر بعين الطبيب الذي يُراقب تفاصيل الإنسان، وبروح الأديب الذي يلتقط الحكايات من وجوه الناس وشوارع المدن، ثم يعود إلى الرّقة كأن العالم كله لم يكن سوى طريق طويل يقوده مجدداً إلى الفرات.

عرفه كبار السن طبيباً خبيراً بأمراض المنطقة، يحفظ أحوال العائلات وما توارثته من علل، ويعرف طبائع البيئة وتأثيرها في أجساد الناس ونفوسهم. ولم تكن عيادته مجرد مكان للعلاج، بل مساحة للألفة والطمأنينة؛ يدخلها المريض مثقلاً بالخوف، فيخرج وقد خفّ عنه شيء من قلقه، حتى قبل أن يبدأ الدواء مفعوله.

رحل العجيلي قبل أن يرى الدمار الذي حلّ بالرّقة، وكأن القدر أشفق عليه من مشاهدة مدينته وهي تتفتّت أمام عينيه. غير أنّه كان شديد الحساسية تجاه المستقبل، يستشعر ما يختبئ وراء الوقائع والأحداث، ويتوقف طويلاً عند الحزن الكامن في الأغاني الفراتية. كان يرى في ذلك الحزن صدى المآسي التي تعاقبت على سكان المنطقة، وذاكرةً جماعيةً تختزن الفقد والحرمان والخوف من الآتي.

ولم يسلم العجيلي، على الرغم من مكانته، من حملات التشويه التي قادها بعض منافقي سلطة البعث. وُجّهت إليه اتهامات جائرة، وحاول بعض المتزلفين النيل من سيرته ومكانته.

وبعد مرور سنوات طويلة على رحيله، لا تزال مؤلفاته غائبة عن أيدي القراء، ولم تُعَد طباعتها وإصدارها بما يليق بقيمتها. تفرّقت حقوقها بين الورثة ودور النشر، وضاعت في متاهة الانشغالات والمصالح والإجراءات، بينما انصرف الورثة إلى أعمالهم وعياداتهم وأسفارهم وممتلكاتهم وألقابهم، وبقي تراث الرجل ينتظر من يمدّ إليه يداً تنقذه من الغياب.

وليس غياب كتب العجيلي شأناً عائلياً خاصاً، لأن الكاتب الكبير، حين يتحول إلى ذاكرة وطنية، لا يعود ملكاً لورثته وحدهم، بل يصبح جزءاً من حق المجتمع في معرفة ذاته. ومن هنا يبدو ضياع مؤلفاته خراباً ثقافياً جديداً يضاف إلى الخراب المادي الذي أصاب الرّقة. فالمدن لا تُدمّر بالصواريخ وحدها؛ قد تُدمّر أيضاً حين تُقطع صلتها بذاكرتها، وحين تضيع كتب أبنائها، وتُمحى الحكايات التي تحفظ أسماء شوارعها ووجوه ناسها وروائح بيوتها القديمة.

لقد غابت عن أهل الرّقة كتب العجيلي، كما غاب ممشاه اليومي على الجسر القديم بعد أن تبدلت ملامح المدينة وتنازعتها القوى والمشروعات الغريبة عنها. كان الناس يشاهدونه كل مساء وهو يمضي نحو الفرات، يتفقد النهر ويطلّ عليه طويلاً، كأن بينهما حديثاً سرياً لا يَعرفه سواهما. ثم يعود إلى بيته ليكتب مقالاً أو قصة، أو يستكمل رواية بدأها من قبل. وربما كان الفرات، بالنسبة إليه، أكثر من نهر؛ كان مرآةً للذاكرة ومصدراً للحكاية ورفيقاً صامتاً لكل ما كَتب.

فهل يستمر غياب مؤلفات عبد السلام العجيلي، وتُحرم الأجيال الجديدة من التواصل مع جانب أساسي من تاريخ الرّقة ووجدانها؟ وهل يُترك تراثه نهباً للنسيان في زمن تقف فيه المدينة عند مفارق طرق خطرة، وتحاول جهات مختلفة طمس ثقافتها وأصولها وإلحاقها بهذا المشروع الغريب أو ذاك؟

لقد دوّن العجيلي حياة الرّقة، من شارع أبي الهيس إلى أزقتها وحاراتها وبيوتها، وحفظ في كتاباته وجوهاً وأصواتاً وتفاصيل ربّما لم يعد لها وجود اليوم. وإذا كانت تلك الأماكن قد تحوّلت إلى خراب، فإن كتبه لا تزال قادرة على إعادة بنائها في المخيّلة والذاكرة. لذلك فإن إعادة نشر أعماله ليست مجرد وفاء لكاتب راحل، بل هي دفاع عن هوية مدينة، وإنقاذ لذاكرة شعب، وإعادة جسر بين الرّقة التي كانت والرّقة التي تحاول أن تنهض من تحت الركام.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version