عماد البليك: الجوائز الأدبية أسيرة الشللية واللوبيهات

الرواية السودانية خارج خرائط الاعتراف العربي
حوار ـ بسام جميدة

يعتبر الكاتب الروائي السوداني عماد البليك واحد من الأصوات العربية التي قدمت نفسها بقوة في عالم الأدب، وقد تمخّضت مسيرته الأدبية عن 32عملاً ما بين روايات ومجموعات قصصية وكتب الدراسات، إضافة لعمله المتواصل في حقل الإعلام.
البليك انتقد وبصوت عال في منشوراته الأخيرة الجوائز الأدبية مشيراً إلى انحيازها الفاضح ومجاملاتها وسوء التقدير في الكثير منها للأدب الجيد.
عالج البليك في العديد من رواياته المسألة السودانية والجرح النازف فيها، وتاريخها بطريقة سردية ممتعة، فيما تنوعت باقي الروايات لتكشف لنا عن الروائي الذي استكشف بحدسه الكثير من المشاكل المجتمعية العالقة وبأسلوب شيّق، فلاقت الصدى والقبول وترجم الكثير منها إلى اللغات الأجنبية.
خلع عن كتفيه عباءة الهندسة المعمارية ليرتدي جلباب الأدب والإعلام، حيث شغفه بالفلسفة والحكمة التي وظفها في كثير من أعماله.
أصدرت آخر رواياتك “البحث عن مصطفى سعيد” لماذا هذه التجربة الجديدة، حدثنا عنها؟
رواية “البحث عن مصطفى سعيد” التي صدرت عن منشورات إبييدي في مصر وتدور حول مساءلة بطل الطيّب صالح في روايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال”، هو ليس تناصاً أو محاكاة بل رغبة في الاستكشاف والمساءلة، وهو تيار تجريبي في الأدب كما فعل كمال داود في “معارضة الغريب” للبير كامو. أو كما تمت استعارة كافكا عند هاروكي موراكامي وآخرين. والسؤال في هذه المرحلة مرتبط بتحولات السودان بلدي على كافة الأصعدة. وقد كتبت الرواية في مرحلة انتقالي للعيش في بريطانيا، حيث بدأت ملامح البطل أوضح لي. وهي أسئلة ربّما لم تتزحزح منذ ستة عقود، تدور في فلك الهوية والإنسانية وصراع الشرق والغرب، وفشل دولنا في خلق نموذج حداثي.
*هل الأدب السوداني يجد حظه من الانتشار العربي بعد الطيّب صالح؟
ـ هناك أسماء وصلت وستصل. لكن الإشكال أن الأدب السوداني لا يعد مركزياً في سياق الأدب العربي، فثمّة مراكز مسيطرة على التشكيل الإبداعي وهذا يؤثر سلباً على قراءة المشهد ليس بخصوص السودان بلد الأدب العربي عموماً بل في بلدان مختلفة. برغم ذلك فما وصل من رواية سودانية كان له حجم التأثير والقدرة على الاختراق وكان مختلفاً من حيث الفضاءات الإبداعية والتصورات والموضوعات المطروحة، ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن للرواية السودانية وأدبنا سياق خاص لم يكتشف كما ينبغي خارج جغرافيا المحلية، كما في الشعر كذلك، لدينا شعراء كبار كالفيتوري والتيجاني يوسف بشير ومحمد عبد الحي ومصطفى سند وعالم عباس والنور عثمان أبكر وسلسلة تطول.
*ماذا بخصوص الجوائز العربية التي كتبت عنها مؤخراً في هذا الإطار؟
ـ للأسف، تقوم على سياق الشلّة واللوبيهات وقد تحولت إلى ظاهرة تدور خارج فلك الإبداعي والأدبي، بل في ما تفرزه ثقافة السوق والرأسمال. ما لم تتحرّر الجوائز وتصبح لها حيادية وموضوعية كما في الغرب فلن تساهم فعلياً في المشهد الثقافي بإضافة فاعلة.
*هل ينطبق هذا على كل الجوائز؟
ـ المناخ الثقافي بخصوص الجوائز وبشكل عام متشابه ليس فيه من اختلافات كبيرة. قد يحدث من فرق لكنه لا يعتبر له تأثير مباشر على تغيير الواقع في الوقت الراهن، ما لم يحدث انقلاب حقيقي في القيم والنظرة وتحرّر الكاتب والناقد والمثقف نفسه من أسر مثقل لقراءة خاطئة تشوبها الولاءات الشخصية والانتقاء وغياب المعيار الأدبي في جوهر الأحكام.
*أي الروايات العربية اليوم الأكثر انتشاراً وتداولاً؟
ـ في فترة ما كان الأدب الذي أفرزته آلة السوق هو السائد، من النوع الرومانسي أو التخييل الواقعي سريع الرواج كما في أدب أحلام مستغانمي، التي لها شعبية عريضة في العالم العربي. والآن فهو عصر الفانتازيا كما عند الكاتب السعودي أسامة المسلم، الذي لديه جمهور كبير. لكن هذا القياس هو قياس الجمهور ولا يعكس الجدارة الأدبية والإبداعية، عندما يكون مطلوباً من الأدب أن يساهم فعلياً في الرقي العام وإنقاذ الإنسان من مهزلة الواقع وجراح الحياة. الفانتازيا نفسها ليست عيباً، لكنها تصبح مشكلة عندما لا تقدم بالسياق المعرفي لها وهو غير قائم في الأدب العربي.
*وماذا عن روايات الجوائز ألا تجد الانتشار؟
ـ هو انتشار لحظي سرعان ما يزول الأثر التخديري، قلما تبقى رواية خالدة إلا القليل، إذا كانت تحمل بالفعلً قدرة على الديمومة. وهذا يرجعنا لما سبق ذكره سابقاً من الخلل في هذه المسابقات أو الجوائز، في قدرتها على ابتكار الأصوات واكتشافها بالفعل.
*أي معايير تراها يجب أن تسود في صوت الرواية اليوم؟
ـ الرواية بشكل عام وعلى مستوى العالم تواجه خطر الموت، وهذا الأمر ليس جديداً فقد طرح منذ فترة مبكرة ولا يزال، ما يدعو لرد الاعتبار لرواية جديدة قادرة على احتواء الحياة الحديثة بكل ما فيها من تحديات وتشوش كبيرين، وألحظ هنا أن الرواية في الغرب تتجه إلى استنطاق أصوات الذات والنفس الإنسانية وسبر الأغوار فيما يتعلق برغبة الكائن في الحضور وتمثيل الأنا، من يكون وماذا يرغب بالضبط، في مقابل ذلك تبقى الأسئلة المتوارثة قائمة، عن الروح والجسد والاحتكاك مع المجتمع، كما نرى ذلك في رواية “جسد” الفائزة بالبوكر الإنجليزية في هذا العام.
*إذن كيف يمكن أن نتصور رواية مستقبلية؟
ـ سؤال الرواية اليوم لم يعد يقاس بالمنطقة أو اللغة، بل بالسياق العالمي، هو نص معولم له القدرة على الاختراق والوصول، لأنه يناقش الأسئلة أو “المجازات الكبيرة” التي تقلق الإنسان من حيث الفاعلية والتماهي مع صيرورة العالم المعقدة. في سياق الأدب الغربي اليوم، نلحظ هذه الكثافة في حضور التعددية والمشهدية العالمية، شرقاً وغرباً، حيث الإنسان هو الفاعل والجوهري والمركزي، وما سواه ليس إلا هامشاً. هو أدب يقوم على التنوع وكسر الجدران التقليدية ويسعى لكتابة تاريخ جديد للإنسان في الكوكب، ويماهي الأسئلة الأكثر تعقيداً كما في سؤال المناخ والبيئة مثلاً، يمكن هنا الاستشهاد برواية “مدار” التي حازت على بوكر العام الماضي وأبطالها من رواد الفضاء الذين يتحركون حول الأرض في سفينتهم ويرسمون شهادة على مأساتنا.
*ما الذي لديك من مشاريع في الوقت الراهن؟
ـ انشغلت في الفترة الأخيرة بترجمة أعمالي إلى اللغة الإنجليزية أكملت مشروعات في هذا الإطار، مثلاً رواية “ماما ميركل” صدرت باسم “هيّا نعبر البحر” في المملكة المتحدة، كذلك “شاورما” وفي الطريق “وحش القلزم” وهي رواية خيال علمي يمتزج بالواقعية، أيضاً “تراتيل منسية”. وغيرها من المشروعات في هذا المنوال. أيضا أفكر في مشاريع فكرية وفلسفية وكتابات بهذا الخصوص. صدر لي العام الماضي كتاب “القوقعة الشريرة – مدخل ثقافي إلى فهم أزمات الراهن السودان”، وهو كتاب كبير الحجم يشكل إطاراً مرجعياً في ظل السؤال الثقافي، ولا بد أن كثيراً من القضايا تتفتح مع ممارسة فعل الكتابة والاستمرار فيه وهو قدرنا.
كاتب وصحفي سوري

الروائي السوداني عماد البليك










