Site icon مجلة المزمار العربي

في المطعم الروماني

ستار كاووش

عند الحديث عن الجمال، لا يهم إن كان العمل الفني واقعياً أم تعبيرياً، أو ينتمي إلى التجريد، فالجمال يمكنه قول كلمته بكل الطرق والأساليب الممكنة، شرط أن يمتلك الأصالة والتفرّد، ويُثير الأسئلة، ويمنحنا نوعاً من المتعة التي تغسل الروح وتُطرب العين. فالفن العظيم يفتنك بشكل غريب، ويجعلك تقف في مكانك لا تملّ من النظر إليه، ولا تتردد في الإعجاب به، ولا تتوقف عن التفكير بما يتركه في نفسك من أثر.

ما إن وضعتُ قدمي في المتحف الوطني في كوبنهاغن، حتى باغتتني لوحة الفنان الدنماركي كارل بلوخ «في المطعم الروماني»، وكأنها أعادت لي ذكرى شخص أعرفه منذ زمن بعيد، فقد كنتُ أحفظ صورتها في أحد الكتب الفنية، مثل من يحفظ صورة شخص يحبه في ألبوم العائلة. وها أنا أقف الآن أمام حجمها الكبير وألوانها الحية وتأثيرها الذي أنساني تلك الصورة التي ما زالت تسكن في ذلك الكتاب القديم.

لقد جفلتُ حقاً حين وقع نظري على هذه اللوحة، وما فاجأني حقاً هو نظرة الشاب الذي يظهر في المقدمة، والذي بدا كأنه يتعجب مني أيضاً وأنا أدنو من اللوحة أكثر وأكثر، وكأنه يحاول منعي من الاقتراب. يا لنظرته المعترضة التي تُشكّل أساس التعبير في هذه اللوحة.

واضح أن الشاب ليس سهلاً، ويستطيع حماية المرأتين اللتين معه من نظرات المتطفلين أمثالي. يميل قبعته إلى الخلف، فتطفر خصلات شعره الأسود على جبهته، وعيناه الداكنتان تخترقان بنظرتهما المتحدية كل طارئ أو مشاكس، وفوق هذا يمسك شوكة الأكل بقبضته بطريقة لا تقبل التأويل، وبين كل هذه التفاصيل يبرز مقبض سكين مطوية في جيب بنطاله. وبقميصه الأبيض الفضفاض، وطرف حزامه المفتول من قطعة قماش حمراء، والذي يتدلى على البنطلون ويُعيدنا إلى المناطق الشعبية في روما، يتأكد حضور الشاب وقوة شخصيته. وتكتمل الصورة بالكرسي الذي جعله معكوساً وجلس على حافته، مستعداً للحركة والانقضاض تحسباً لأي طارئ.

لكن، مع كل هذا، يبدو أن الرجل الآخر الذي لا يظهر في اللوحة لديه أيضاً جاذبيته الخاصة، وهذا واضح من نظرات السيدتين. فالمرأة المتزوجة التي على اليسار، ويتضح هذا من خلال الغطاء الأبيض الذي تضعه على رأسها، والذي كانت تعتمره النساء المتزوجات في إيطاليا في ذلك الوقت، تجلس قبالة زوجها الحذر إذن، لكن نظراتها تحمل بعض التساؤلات الممزوجة بالمتعة، فيما تبدو الشابة التي على اليمين هي المعنية بالموضوع، فنظراتها مليئة بالذهول والغواية، وهي تقرِّب قدح النبيذ من فمها لجلب الانتباه والتحية. وحين نمرر بصرنا على تفاصيل اللوحة، نرى أن الشخص المتطفل خارج الكادر أشار له الفنان بطريقة رمزية داخل اللوحة، من خلال الذبابة التي تقترب من قارورة النبيذ.

أتأملُ المعالجة، توزيع الشخصيات، الالتفاتات، حديث العيون، طاولة المطعم، القبعتين المعلقتين على الجدار القديم، كل شيء في مكانه المناسب، حتى القطة التي على يسار المشهد أضافت الكثير من الحيوية. هكذا حوّلَ بلوخ مواد الألوان إلى تحفة جميلة وخالدة. فيمكن للذهب أن يجعل القلائد غالية الثمن غالباً، لكن ليس بالضرورة أن تحمل قيمة عالية. كذلك مواد الرسم وعلب الألوان المتوفرة في المتاجر لا يمكن للجميع أن يحوّلوها إلى لوحات خالدة، كهذه اللوحة التي تجعلك تفكر بالفن الحقيقي مرات ومرات.

التقنية، التكوين، لمسات الفرشاة، توزيع الشخصيات، تعابير الوجوه، الإيماءات، الأزياء، التفاصيل الصغيرة، كلها متكاملة ومترابطة، لتمنحنا في النهاية لوحة يمكننا الحديث عنها طويلاً جداً. يا له من وقت ممتع وأنا أقف أمام هذه اللوحة ساعة كاملة، وكأني أشاركهم المائدة وأحتسي معهم النبيذ المصنوع في بيوت الفلاحين، أسمع الحوارات الهامسة وأتحسس رطوبة الجدران القديمة. أغبط قطعة القماش التي حولها الرسام إلى كنز جمالي ما زال يجذب المتلقين والناس من كل مكان. رحلَ الفنان الذي صارت لوحته شهيرة، وتوفي جامع اللوحات الذي أوصى بأن تُهدى اللوحة إلى المتحف الوطني الدنماركي، وتوارَتْ الموديلات التي استُخدمت في الرسم وصارتْ ذكرى بعيدة، لكن بقيتْ هذه اللوحة تأخذ مكانها الخالد على جدران هذا المتحف حتى هذه اللحظة التي أقف أمامها، مستعيداً أيام الفن المجيدة والإبداع الذي ينمو ويمد ذراعيه نحو أجيال من الناس.

العنوان الأصلي لهذه اللوحة هو «الأوستيريا الرومانية»، والأوستيريا هي نُزل أو مطعم محلي صغير جداً، وطاولاته متقاربة، يقدم النبيذ والطعام الإيطالي التقليدي بالوصفات التي تُحضَّر في البيوت، وتُكتَب قائمة الطعام بخط اليد غالباً. وكانت في السابق تقدم الشراب فقط، والزبائن يجلبون طعامهم معهم.

رسم الفنان كارل بلوخ هذه اللوحة سنة 1866، بعد أن كلَّفه بها صديقه جامع اللوحات وداعمه الرئيسي موريتز ميلخور، الذي أُعجب، أثناء زيارته لإيطاليا، بلوحة للموضوع والتكوين ذاته للفنان فيلهلم مارستراند. وقبل أن يبدأ برسم اللوحة، سافر بلوخ إلى إيطاليا وقضى بعض الوقت في روما، تشبّع خلاله بالأجواء هناك، وتحسّس مناخات هذه المطاعم القديمة، ليعود إلى كوبنهاغن ويبدأ برسم اللوحة. والجميل هو أن الرجال الثلاثة الذين يظهرون في عمق اللوحة هم الرسام نفسه، يدير ظهره للمشاهد، والشخص الذي يتحدث محركاً يده هو صديقه ميلخور الذي طلب منه رسم اللوحة، والثالث هو صديق لهما.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

Exit mobile version