عبد الكريم البليخ
في السابع والعشرين من أيار عام 2009، أُسدلت الستارة على فصلٍ مضيء من تاريخ الرياضة العراقية برحيل المدرب الكبير عمّو بابا، الرجل الذي لم يكن مجرد اسمٍ في سجل كرة القدم، بل كان رمزاً من رموزها الخالدة، وواحداً من الذين ارتبطت بهم ذاكرة أجيال كاملة من العراقيين.
برحيله، فقدت الكرة العراقية فارساً نادراً من فرسانها، ومدرباً استثنائياً جمع بين الموهبة والخبرة والرؤية الثاقبة. فقد كرّس حياته لخدمة الرياضة العراقية، وبذل من وقته وجهده وفكره ما جعل منه مدرسة كروية قائمة بذاتها، خرّجت أجيالاً من اللاعبين الذين حملوا اسم العراق إلى منصات الإنجاز والتألق.
ومع انطلاق بطولات كأس الخليج في سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح النهضة الكروية العراقية تتشكل بصورة أكثر وضوحاً، وكان عمّو بابا في قلب هذه التجربة. تحت قيادته، سطع نجم الكرة العراقية، وتوالت الانتصارات، وامتلأت المدرجات بأحلام الجماهير التي رأت في منتخبها صورةً للفخر والانتماء. لقد استطاع أن يصنع من المواهب المتناثرة فريقاً متماسكاً، وأن يقود أسود الرافدين بثقة نحو محطات مشرقة ما زالت حاضرة في الذاكرة الرياضية العربية.
ولم يكن تأثيره مقتصراً على النتائج والبطولات، بل امتد إلى بناء الإنسان الرياضي، وغرس قيم الانضباط والعطاء والإيمان بالقدرة على النجاح. لذلك بقي اسمه حياً في وجدان عشاق الكرة، لا بوصفه مدرباً فحسب، بل بوصفه أحد الذين ساهموا في صناعة هوية الكرة العراقية الحديثة.
رحم الله عمّو بابا، فقد رحل الجسد، لكن الأثر الجميل الذي تركه سيبقى شاهداً على مسيرة رجلٍ أحب وطنه وأخلص للرياضة حتى آخر العمر.
“عمّو بابا”، النجم الحقيقي لكرة القدم العراقية، كيف لا وهو الذي ذاع صيته في كل مكان، وحصد الانتصار تلو الآخر، ولم يسبق أن شهدت الكرة العربية مدرباً متفرّداً ومخلصاً، كما هو حال المدرب المخضرم “عمانويل بابا داوود”، عمو بابا، كما لقب بـ “شيخ المدربين”.
المدرب العراقي الراحل عمو بابا
قاد عمو بابا المنتخب العراقي في 158 مباراة دولية وودية، وحقّق العديد من الإنجازات، ومنها: الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الآسيوية في الهند 1982، ولقب بطولة كأس الخليج 3 مرات، وهو صاحب أول هدف دولي لمنتخب العراق سجل في العام 1957 في شباك منتخب المغرب، وأول من نفّذ ضربة (دبل كيك) في العراق. وسبق وان اعتزل اللعب مبكراً نتيجة إصابة، وتوجّه نحو التدريب.
قام عمو بابا المدرب الأشهر، بتدريب منتخب العراق العسكري لكرة القدم، وقاد الفريق للحصول على كأس العالم العسكرية لكرة القدم لعامي 1972، 1977، وتسلّم مهمّة تدريب منتخب العراق لكرة القدم في العام 1979، وفاز الفريق في تلك السنة بكأس الخليج العربي لكرة القدم، كما ساهم في نيل منتخب بلاده إلى حمل لقب بطولة كأس الخليج أعوام 1979، و 1982، و1984، والوصول إلى نهائيات الألعاب الأولمبية 3 مرات، أعوام 80، و84، و88. وذهبية دورة الألعاب الآسيوية.
وساهم بفوز المنتخب العراقي ببطولة كأس العرب، في دورتها الثانية في العام 1964، والتي أقيمت في الكويت.
وفي العام 1966 حقّق المنتخب العراقي المركز الأول في البطولة ذاتها، والتي أقيمت على أرض ملعب الشعب ببغداد، وفوزه في المباراة النهائية على المنتخب السوري بهدفين مقابل هدف واحد، كما حقّق عمّو بابا مع المنتخب العراقي الأول بطولة كأس العرب في نسختها الرابعة، والتي أقيمت في المملكة العربية السعودية في العام 1985، بفوزه على منتخب البحرين بهدف وحيد، كما نال المنتخب العراقي المركز الأول في بطولة كأس العرب في العام 1988 والتي احتضنها الأردن بفوزه في المباراة النهائية على المنتخب السوري بركلات الترجيح 4 ـ 3.
وأكبر إنجاز حقّقه “بابا”، قيادة منتخب العراق إلى نهائيات بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 1986 في المكسيك.
وعلى الصعيد المحلي، قاد عمّو بابا فريق نادي الطلبة إلى كاس الدوري العراقي عام 1981، كما قام بتدريب نادي الزوراء في العام 1994، في أغسطس 2005، واختارت اللجنة الأولمبية ووزارة الرياضة في السويد عمّو بابا، سفيراً للرياضة العراقية لدى السويد، تثميناً لتاريخه الحافل بالإنجازات مع المنتخبات العراقية.
منح لقب مدرب القرن العشرين من قبل لجنة المحررّين الرياضيين، لجهة نقابة الصحافيين العراقيين في استفتاء أجري بهذا الخصوص، وهو أشهر لاعبي زمانه، وهداف العراق الأول في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين، وجال في القارات الخمس، وزار معظم دول العالم.
وبدلاً من الاهتمام به، واحتضانه، والتغنّى به، ورعايته، والإغداق عليه بالمال، وتقديم وافر المساعدات له، لما بذله من جهد، تكريماً لما قدمه، حاولوا إبعاده وتهميشه، وحتى إذلاله!
ولد في بغداد يوم 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1934 تعلم أبجدية كرة القدم في الحبّانية مرتع الطفولة والصبا.
ظهرت عليه أولى علامات النبوغ أثناء اللعب في مدرسة الحبّانية الابتدائية في العام 1948 ومن ثم في فريق الـ”سي. سي”، وفي المنتخب المدرسي للواء الدليم. ومارس العاب السباحة وكرة السلة والتنس إلى جانب كرة القدم .
اكتشفه خبير كرة القدم إسماعيل محمد وضمّه إلى منتخب العراق المدرسي المشارك في الدورة المدرسية العربية الثانية في القاهرة في العام 1951 ولعب شوطاً واحداً في المباراة مع الفريق المصري.
انتقل من الحبّانية إلى العاصمة بغداد وانضم إلى فريق الحرس الملكي في العام 1954 ومثل منتخب الجيش العراقي لأول مرة أمام الفريق المصري في 30/1/1955 وفي الموسم الرياضي عام 1958 ظهر في صفوف فريق القوة الجوية ولعب كذلك لفرق الكلية العسكرية والمصلحة “مصلحة نقل الركاب” والنادي الآشوري.
كُرّم عمو بابا من قبل الملك فيصل الثاني الملك الأول للعراق ووصولاً إلى آخر الرؤساء العراقيين في 2009، وكان قويّ الشخصية يمارس دور الضابط على كتيبته الكروية، ولم يكن يعرف المحاباة داخل المستطيل الأخضر.
كان مدرباً محترفاً قبل أن يعرف الاحتراف طريقه إلى المنطقة العربية، ونافس كبار المدربين في المنطقة العربية. فكانت أكاديميته المتواضعة مثالاً يحتذى به على الرغم من ضعف الإمكانيات.
ورسم عمو بابا الطريق الصحيح نحو التألق لكل من: أحمد راضي، راضي شنيشيل، عدنان درجال، كريم علاوي، سمير شاكر وآخرون، ثم سلّم الراية أخيراً لجيل أسياد آسيا أمثال: يونس محمود، قصي منير، هوار منلا محمد، وعلي حسين رحيمة.
لم يرضخ عمو بابا لمغريات العروض الكبيرة التي وصلته من أستراليا، والسويد، وفرنسا، والعديد من الدول الأوروبية، وقرر البقاء في العراق وصناعة الأمجاد.
وفي السابع والعشرين من شهر مايو عام 2009، استسلمت الأسطورة العراقية لبارئها عن عمر ناهز الـ 75 عاماً في دهوك شمال العراق.
ها هو “عمّو بابا” يرحل بعيداً مغرداً خارج سرب التدريب، واغناء الكرة العراقية، ومشاركتها همومها.
بكيناه، نعم، بكيناه بحرقةٍ صادقة منذ اللحظة التي بلغنا فيها نبأ رحيله. لم يكن مجرد مدربٍ أو اسمٍ عابرٍ في سجل الرياضة العراقية، بل كان صفحةً مضيئة من ذاكرة وطنٍ كامل، ورمزاً من رموز العطاء الذي تجاوز حدود الملاعب ليصل إلى وجدان الناس ومحبتهم.
بكيناه لأنه كان أحد الذين آمنوا بالمواهب العراقية، فاحتضنها ورعاها، وأسهم في بناء قاعدة كروية راسخة أنجبت أجيالاً من النجوم الذين رفعوا اسم العراق عالياً في المحافل الرياضية. لقد أدرك مبكراً أن صناعة اللاعب ليست تدريباً فحسب، بل بناء للإنسان والثقة والطموح.
وبكيناه لأنه ارتبط بمرحلةٍ ذهبية ما تزال محفورة في ذاكرة الجماهير، مرحلة صنعت الفرح في قلوب العراقيين، ورسخت هيبة الكرة العراقية في الميادين العربية والآسيوية. كان جزءاً من حكاية نجاح جماعية، لكن بصمته الخاصة ظلت واضحة في كل إنجاز.
رحل عمّو بابا جسداً، لكن أثره سيبقى حياً في ذاكرة الرياضة العراقية والعربية، وفي قلوب كل من عرفه أو تابع مسيرته. فقد كان فارساً نبيلاً من فرسان الكرة، وسفينةً محمّلة بالمحبّة والخبرة والعطاء، ترك وراءه إرثاً يصعب أن يتكرر.
كاتب وصحافي سوري

