Site icon المزمار الجديد

كان ولدي .. فصار ولدكم

ـ 8 ـ

الكتابة عمل انقلابيّ

نزار قباني

الطبعة الأولى 1975

منشورات نزار قباني ـ بيروت

 مجموعات مقالات سبق أن نشرت في

مجلة “الأسبوع العربي” للشاعر نزار قباني

خلال أعوام 1973، 1974، 1975

نزار قباني

في العاشر من شهر آب، مات ابني توفيق في لندن.

توقف قلبه عن العمل، كما يتوقف قلب طار النورس عن الضرب، وهو على بعد خطوتين من الشمس ..

كان توفيقاً أميراً دمشقياً جميلاً …

كان طويلاً كالزرافة، وشفافاً كالدمعة، وعالي الرأس كصواري المراكب، وكانت تتبعه إذا مشى، أزهار اللوتس، وشقائق النعمان، وغزالات الصحراء.

هل الموت رجل أم هو امرأة؟

لم أناقش جنس الموت من قبل.

ولكن بعد أن هب توفيق، وبكل وسامته، وملاحته، وصورته اليوسفية، تأكدت أن الموت امرأة.

ربطت خصلات شعره الأشقر بمنديلها الحريري .. وخطفته إلى بيتها قبل أن تخطفه واحدة من بنات الأرض.

فيا سيدتي التي تخبئين ولدي في غرفة نومك التي ستائرها غمام، وشراشفها غمام، ومخداتها غمام.

لا اعتراض لي على زواج توفيق منك..

فأنا أب عصري أحترم العشق، وأقف مع العشاق في جميع معاركهم، ولكن من حقي – كأب ـ أن أعقد ربطة عنق توفيق في ليلة عرسه ….

إنني أنحني أمام رهافة ذوقك، وروعة اختيارك، يا من تستحمّين الآن مع ولدي في مياه السحب البنفسجية.. وتقطفين له الفاكهة من بساتين الله …

ليس في نيّتي أن أذهب إلى المحاكم، وأقيم عليك الدعوى بتهمة اختطاف طالب في السنة الثالثة من كلية الطب.

إنني أعرف سلفاً أن دعواي مردودة، وأن جميع القضاة في العالم – إذا رأوا صورة توفيق معك – حكموا لك بالبراءة.. وحكموا عليَّ بالصبر …

إنني أعرف سلفاً أنك لن تعيديه إلىّ…

من ذا الذي يختطف ملكاً خرافي الملامح مثل توفيق، ويرضى أن يُعيده إلى العرش؟

كنت أتصور أن موت ابني هو قضية خصوصية بيني وبينه.. لكن الذي حدث كذب جميع تصوراتي.

فما أن خرج توفيق من بيتي حتى انفتحت أمامه أبواب جميع البيوت في العالم العربي.

وما أن ترك توفيق منزل الأبوة، حتى صار له آلاف الآباء والأمهات في كل مكان من هذا الوطن العظيم.

في دمشق أعطوه سريراً، وفي لبنان كتبوه على أكواز الصنوبر ودفاتر الثلج، وفي مصر أهدوه أغلى ما في خان الخليلي من مصاحف، وفي بغداد أطعموه المن والسلوى، وفي السعودية لفّوه بعباءة فيها شيء من أنفاس الرسول، وفي السوادن قدموا له عروساً بلون النحاس وخشب الأبنوس، وفي الأردن وضعوا حول عنقه طوقاً من ياسمين أريحا، وفي الكويت والبحرين أهداه صيادو اللؤلؤ أكبر لؤلؤة وجدوها في أعماق البحر.

آه .. ما أروع الموت بين العرب… ومع العرب … أه ما أروع الانتماء إلى القبيلة!

إن موت توفيق أعادني بدوياً مغرقاً في بداوته، وردني مرةً أخرى إلى بني هاشم، وبني تغلب، وبني مخزوم، وبني تميم، وبني شيبان، وإلى كل أبناء العمومة والخؤولة الذين يقتسمون معك حياتك، ويقتسمون موتك …

أما هناك.. أما في لندن .. فإن الموت إعلان مدفوع الأجرة في جريدة “التايمز”، والميت زجاجة حليب فارغة مرمية في الشوارع الخلفية.

ممرضتك الإسبانية في السان جورج هوسبيتال في لندن تبكي بطريقتها الأندلسية….

ونحن نبكي عليك بطريقتنا العربية…

والانكليز يتفرجون على دموعنا كما يتفرجون على نوافير الماء في البيكاديللي سيركس….

أكان لا بد لهذه الإسبانية أن تجيء إلى لندن لتزرع أول زهرة حزن في أواني السان جورج هو سبيتال؟

أكان لا بد لها أن تقنع الانكليز.. أن الإنسان هو حيوان يبكي؟

يا ليتكم حضرتم عرس توفيق في دمشق.

كل المآذن الدمشقية رفعت أعناقها لترى توفيق .. كل حمائم الجامع الأموي فرشت تحت رأسه أجنحتها البيضاء…

كل أشجار الورد البلدي في غوطة الشام، تركت بساتينها وركضت حافية لتعانقه ….

كل العصافير التي من عمر توفيق والتي ولدت معه، وكبرت معه، وذهبت إلى المدرسة معه….

رافقت طائرته وهي تنزل.. تنزل … تنزل كالدمعة على خدّ دمشق….

كنت كلما سألته عن قلبه، أخرج قلماً أحمر .. وورقة .. ورسم لي قلبه بشكل وردة جورية.

كان يشرح لي علته بعقلية الطبيب …

وكنت أعرف – كشاعر – أنَّ عمر الورد الجوري قصير ….

المكاتيب التي أرسلها توفيق من هناك .. وألصق عليها طوابع تمثل مشاهد من الجنة.. تؤكد لي أنه بخير …

كل ما حدث، أنه غيّر محل إقامته ….

كان في ضيافتي، فصار في ضيافتكم…

كان ولدي، فصار ولدكم.

كان قصيدة حياتي، فصار قصيدة حياتكم.

كان له سرير بين أجفاني، فصار له سرير بين أجفانكم.

كان جواز سفره سورياً، فصار جواز سفره عربياً….

فيا من جعلتم موت ولدي موتاً عربياً …

يا من صرختم معي، وبكيتم معي، وأبحرتم معي إلى مرافئ الحزن…

يا من زرعتم سعف النخل، وأغصان الأس على قبر ولدي…

أرجو أن تعتنوا بهذا الأمير الدمشقي الجميل الذي كان طويلاً كالزرافة، وعالي الرأس كصواري المراكب..

وأن تشتروا له أقلاماً ملونة.. فقد كان يُحب الرسم….

3/9/1973

Exit mobile version