فنان حول الخريطة الجافّة إلى رؤية فنية حالمة
علي إبراهيم الدليمي
تجربة الفنان العراقي كريم رسن مشروع بصري يحوّل الخراب إلى ذاكرة، والجدار إلى وثيقة وجودية مثقلة بأثر الحروب والمنفى. فمنذ بداياته، انشغل رسن باستنطاق المادة ليبني منها عالماً تتجاور فيه أصداء الحضارات مع قسوة الواقع، حتى أصبحت أعماله أشبه بأثر أركيولوجي يعيد قراءة الإنسان من خلال ندوب المكان وتصدعات الذاكرة.
مقاربة نقدية لتجربة فنية نحتت من الجدار، ذكرتها قبل ما يقرب من ربع قرن، حيث كتبت عن الفنان العراقي كريم رسن أنه الوريث الشرعي لحضارات وادي الرافدين. لم يكن الوصف مجازاً عابراً، بل قراءة لتجربة فنية جعلت من الأرض العراقية مادتها الأولى، ومن التاريخ والجغرافيا لغتها البصرية. رسن لم يرسم العراق، بل اشتغل عليه. استنطق طينه، رماله، خشبته المهترئة، وحوّل الخامات البيئية إلى سطح تصويري يحمل ندوب الزمن.
السطح كجدار وذاكرة
إن كريم رسن أحد أبرز جيل الثمانينات والتسعينات في الفن العراقي، عُرف بقدرته على المزاوجة بين التقنيات الحديثة والموروث الرافديني، وبأسلوبه الذي يمزج بين التجريد التعبيري والكولاج، حيث استخدم مواد متنوعة (خشب، قماش، ورق، رمال) ليعكس أثر الحروب والحصار على الإنسان العراقي. أعماله ليست مجرد لوحات، بل هي شهادات بصرية حية على تمزق الخرائط وضياع الهوية في ظل النزاعات، ما جعل منه صوتاً فنياً عالمياً يمثل الوجع العراقي المعاصر.
الفنان التشكيلي العراقي كريم رسن
نعم تجربة الفنان العراقي كريم رسن واحدة من أبرز التجارب التي جسدت مفهوم “فن المحنة” في المحترف التشكيلي العراقي المعاصر، إن قراءة أكاديمية لمنجزه البصري تكشف عن وعي عميق بالسطح التصويري، ليس بوصفه مساحة للرسم فحسب، بل بوصفه مخطوطة جغرافية أو أثراً أركيولوجيا يوثق ذاكرة الوجع والخراب والتحولات الوجودية.
تتميز لوحات كريم رسن بكثافة ملمسية عالية، هو لا يكتفي باللون، بل يستنطق المادة عبر طبقات من المعاجين والخدوش والحفر واللصق، فاللوحة عنده تشبه الجدار العراقي المثقل بالندوب، جدار يعلن عن صراعه مع الزمن وعوامل التعرية البشرية والسياسية.
يعتمد رسن غالباً على التكوين المفتوح، حيث تتوزع الوحدات البصرية (دوائر، مربعات، خطوط متكسرة) في فضاء اللوحة دون مركزية تقليدية، ما يمنح المشاهد شعوراً بالتيه أو المتاهة. ويحضر “الرمز” عنده بوصفه بقايا لحضارة منسية أو آثار أقدام تائهة. الخطوط المتقاطعة تشبه الخرائط الطبوغرافية لمدن تعرضت للتفتيت، والمربعات المظلمة توحي بزنازين أو فجوات في الذاكرة.
تتراوح خياراته اللونية بين الألوان الأرضية (الترابي، البني، الأوكر) التي تربط العمل بالطين العراقي والنشأة الأولى، وبين الضربات اللونية القاسية (الأحمر الدامي، الأسود الفحمي، والأزرق المتلاشي).
الأسود في أعماله ليس مجرد لون، بل هو كتلة تمثل الثقل الوجودي أو الفراغ الذي خلفه العنف، واستخدام الخربشات العفوية فوق مساحات لونية رصينة يعكس صراعاً بين النظام والعبث، وبين رغبة البقاء وفعل الفناء.
رسن من جيل الحرب التي لا تنتهي في العراق، وقد نجح في تحويل قبح الدمار إلى جمالية بصرية. لوحته تتحدث من خلال صمت المواد، فالمساحات التي تبدو محترقة أو ممزقة هي في الحقيقة احتفاء بقدرة الفن على إعادة صياغة الواقع الأليم. إنها “أركيولوجيا معاصرة” تبحث في مخلفات الإنسان عن معنى جديد.
المقاربات الأسلوبية
تتقارب تجربة كريم رسن مع عدد من المدارس والتيارات الفنية العالمية والعربية، ويمكن رصد هذا القرب مثلاً في المستويات: عالميا، الفنان الإسباني أنتوني تابيس هو الأقرب إليه من حيث التعامل مع المادة، فتابيس جعل من الجدار والمواد الخشنة لغة عالمية، وكريم رسن تبنى هذه اللغة لكن بـ”لكنة عراقية”. كلاهما يشترك في تحويل السطح إلى منطقة صراع مادي ووجودي، واستخدام العلامات السيميائية (الصلبان، الدوائر، الخدوش).
كذلك ثمة وشيجة قوية تربط رسن بأطروحات الفنان العراقي الرائد شاكر حسن آل سعيد، وتحديداً في تأمل الجدار واختزال البعد الواحد. لكن بينما ذهب آل سعيد نحو الصوفية والتجريد المتعالي، ظل كريم رسن ملتصقاً بالواقعية الفاجعة، أي أنه أخذ جدارية آل سعيد وأسقط عليها آثار القصف والحصار والاغتراب.
ومن حيث ثقل الذاكرة التاريخية، يقترب رسن من الفنان الألماني أنسيل مكيفر، كلاهما يعمل على تخليد آثار الدمار وتحويل مآسي بلديهما (ألمانيا ما بعد الحرب، والعراق ما بعد الحروب) إلى ملاحم بصرية كبرى تستخدم مواد غير تقليدية لتعزيز الإحساس بالهول والزمن.
في بعض جوانب أعمال رسن التي تظهر فيها رموز طفولية أو خطوط عفوية وسط الفوضى، يظهر طيف من سريالية خوان ميرو، لكنها سريالية مغلفة بالحزن وليست بالبهجة، حيث تتحول الخطوط الرشيقة عند ميرو إلى خيوط شائكة عند رسن.
كريم رسن فنان استطاع تحويل الخريطة من وثيقة سياسية جافة إلى رؤية فنية حالمة وموجعة في آن واحد. هو مؤرخ بصري للمنطقة الرمادية بين الحياة والموت، وأسلوبه يمثل ذروة التعبير عن جماليات التفتت في الفن العربي المعاصر.
الفنان كريم رسن، مواليد بغداد عام 1960. حاصل على بكالوريوس فنون تشكيلية – فرع الرسم – في أكاديمية الفنون الجميلة، جامعة بغداد عام 1988. وهو عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، وعضو نقابة الفنانين العراقيين. انتقل للعيش والعمل في العاصمة الأردنية عمان لسنوات، قبل أن يستقر في كندا في سنواته الأخيرة.
كرّس الفنان كريم رسن مسيرته لتوثيق فلسفته حول “الخراب الجميل” والخرائط الذهنية عبر سلسلة من المعارض الشخصية التي انطلقت من قاعة “أثر” ببغداد عام 1993، لتنتقل لاحقاً إلى قاعة “بلدنا” في عمان والمركز الثقافي الفرنسي ببغداد. ومع مطلع الألفية تبلورت تجربته في معارض مفصلية مثل “ذاكرة جدار” في عمان، و”خرائط لمناطق محرمة” في دبي، وصولاً إلى مشاركاته في كندا وفرنسا وبيروت التي ركزت في مجملها على ثيمة “كتاب الفنان”.
أعماله في عواصم كبرى
وعلى مدار سنوات نشاطه سجل رسن حضوراً لافتاً في أكثر من 80 معرضاً جماعياً ومهرجاناً دولياً، حيث طافت أعماله كبرى العواصم من باريس ولندن إلى نيويورك ومدريد. وقد برز اسمه كواحد من روّاد فن “كتاب الفنان” في المنطقة العربية، موازاة مع مشاركاته المتميزة في بينالي القاهرة الدولي ومهرجان المحرس بتونس وبينالي اللاذقية في سوريا، وهي مسيرة توجت بجوائز رفيعة أبرزها جائزة الإبداع من وزارة الثقافة العراقية، والجائزة الأولى في مهرجان القطعة الواحدة ببغداد.
واليوم تستقر نتاجاته الفنية ضمن المجموعات الدائمة لكبرى المؤسسات الثقافية العالمية، منها معهد العالم العربي في باريس، والمتحف العربي للفن الحديث (متحف) في الدوحة، والمتحف الوطني العراقي للفن الحديث، ومؤسسة بارجيل للفنون بالشارقة، بالإضافة إلى مقتنيات خاصة في بريطانيا وكندا والولايات المتحدة، ما يرسخ مكانته كعلامة فارقة في المشهد التشكيلي المعاصر.
كاتب وفنان وناقد تشكيلي عراقي

