تشكيل

لمياء حسين.. اللون لغة وهوية

أميرة ناجي

منذ أن اكتشف الإنسان قدرته على ترك أثر فوق جدار، لم يعد الفن مجرد محاكاة لما تراه العين، بل أصبح محاولة للإمساك بما لا يُرى: الخوف والذاكرة والحب والفقد والعزلة والأمل. فالعمل التشكيلي الحقيقي لا يستمد قيمته من جمال اللون أو براعة الخط وحدهما، وإنما من قدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى أثر بصري قابل لأن يُقرأ بأكثر من معنى. وبين يد الفنان والسطح الأبيض تنشأ منطقة لا تخضع تماماً للواقع ولا تنفصل عنه؛ منطقة تتداخل فيها الذاكرة بالمخيلة، ويتحول فيها الجسد إلى علامة، واللون إلى إحساس، والصمت إلى خطاب. ومن هذه المساحة يمكن الاقتراب من تجربة الفنانة التشكيلية العراقية لمياء حسين، التي تتعامل مع اللوحة باعتبارها عالماً تتكثف داخله أسئلة الإنسان والمرأة والوطن.

وتحضر هنا مقولة الفنان الإسباني بابلو بيكاسو «الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية» وتختصر جانباً عميقاً من وظيفة الفن؛ فهو لا يلغي قسوة الواقع، ولا يقدم حلولاً مباشرة لمشكلاته، لكنه يعيد ترتيب علاقتنا به، ويمنح المشاعر المكبوتة شكلاً يمكن رؤيته وتأمله.

إن «غبار الحياة» الذي يتحدث عنه بيكاسو هو ذلك التراكم اليومي من الألم والقلق والذاكرة والانتظار، أما الفن فهو الفعل الذي يحوّل هذه الأثقال إلى صورة أو لون أو خط. ومن هذا المنظور تقترب تجربة لمياء حسين من معنى المقولة. إذ لا تنفصل أعمالها عن التجربة الإنسانية وما يتركه الواقع في النفس، لكنها لا تنقله نقلاً مباشراً، بل تعيد بناءه داخل اللوحة بلغة تشكيلية خاصة.

بدأت لمياء حسين علاقتها بالفن في سن مبكرة، ثم اتخذت تجربتها مساراً أكاديمياً بالتحاقها بمعهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1993، وحصولها على دبلوم قسم الرسم عام 1998. وقد منحها التكوين الأكاديمي معرفة بأصول الرسم وبناء التكوين، إلا أن ملامح تجربتها تكشف عن رغبة واضحة في تجاوز حدود المعرفة المدرسية نحو البحث عن صوت شخصي. فالمهارة التقنية عند الفنان ليست غاية نهائية، وإنما نقطة انطلاق نحو اكتشاف الطريقة التي يرى بها العالم ويعيد صياغته.

ومن أبرز ملامح تجربتها اعتمادها على سكين الرسم في بناء مساحات لونية كثيفة، الأمر الذي أكسب أعمالها ملمساً واضحاً وحركة داخلية. فاللون لديها لا يستقر على السطح في طبقة هادئة، بل يتراكم ويتقاطع ويُكشط، تاركاً آثار حركة اليد ومراحل تشكل العمل. وتمنح هذه الخشونة اللوحة طاقة تعبيرية تتلاءم مع الموضوعات الإنسانية التي تشتغل عليها، حتى يبدو السطح نفسه حاملاً لذاكرة العمل.

ويبرز الجسد الأنثوي بقوة في عدد من لوحاتها. ففي إحدى الأعمال تظهر امرأة من الخلف، منحنية الرأس، وقد احتلت كتلة الجسد مركز المشهد، فيما تحيط بها درجات البني والبرتقالي والأحمر والأسود. لا يظهر الوجه، ومع ذلك لا يغيب التعبير. على العكس، يصبح إخفاء الوجه عاملاً يزيد من قوة المشهد، لأن الانحناءة وحركة الكتفين والصمت الذي يلف الشخصية تتولى نقل الحالة النفسية. ويتحول الظهر إلى مساحة تحمل أثر التعب والانكسار والذاكرة، بينما تبدو الخلفية المتكسرة امتداداً لعالم داخلي مضطرب.

وفي لوحة أخرى تجلس امرأة وقد انحنى جسدها واستند رأسها إلى يدها. تهيمن الدرجات الترابية والرمادية والخضراء الخافتة، ويبدو الجسد ثقيلاً داخل فضاء لا يمنحه كثيراً من الطمأنينة. هنا لا تسعى حسين إلى تقديم تشريح واقعي صارم؛ فهي تغيّر العلاقات بين الكتل تبعاً للحالة الشعورية، فتغدو الإيماءة أهم من التفاصيل. إن الجسد لا يخبرنا من تكون هذه المرأة، لكنه يخبرنا بشيء مما تشعر به، وبذلك تنتقل الشخصية من حالة فردية إلى صورة إنسانية أوسع يمكن للمتلقي أن يجد فيها جزءاً من تجربته الخاصة.

أما العمل الذي تتقدم فيه درجات الأزرق والبنفسجي، فيفتح مساراً لونياً مختلفاً. تتداخل الهيئة الإنسانية مع الخلفية، وتتراجع الحدود بين الشكل والفضاء، فينشأ إحساس بالغموض والعزلة. ويؤدي الأزرق دوراً نفسياً واضحاً، فيما تمنح اللمسات الوردية والخضراء حركة تمنع المشهد من السكون الكامل. وهذا التحول من حرارة الألوان الترابية إلى برودة الأزرق يكشف قدرة الفنانة على جعل اللون عنصراً منتجاً للمعنى، لا مجرد وسيلة لتزيين التكوين.

فاللون في أعمال لمياء حسين يحمل وظيفة نفسية ورمزية. البني والأصفر والبرتقالي تستحضر الأرض والقدم والذاكرة، فيما تفتح الدرجات الداكنة مساحة للحزن والثقل، ويقود الأزرق إلى التأمل والوحدة والصمت. ومن خلال هذه العلاقات تنشأ لغة لا تحتاج إلى شرح مباشر، لأن المتلقي يقرأ الحالة قبل أن يبحث عن الحكاية. وتحضر المرأة داخل هذا العالم بعيدة عن الصورة الزخرفية التقليدية، إنها امرأة تحمل ثقل تجربتها وأسئلتها، وتظهر أحياناً بلا ملامح محددة كي تتسع دلالتها. وهنا يلتقي الخاص بالعام؛ فالألم الفردي يستطيع أن يستدعي ذاكرة مجتمع كامل، خصوصاً في بيئة عراقية عاشت تحولات وحروباً وفقداً تركت آثارها العميقة في الإنسان والفن معاً.

كما أن تجربة الفنانة لا تنحصر في التشكيل، إذ تمتد إلى الشعر وتصميم أغلفة الكتب والمطبوعات. وتبدو العلاقة بين الشعر والرسم طبيعية في عالمها فكلاهما يعتمد التكثيف والإيحاء. قد تفعل البقعة اللونية ما تفعله كلمة واحدة في القصيدة، وقد يترك الفراغ داخل اللوحة أثراً يشبه الصمت بين جملتين. وهكذا نعود إلى مقولة بيكاسو التي افتتحنا بها، فالفن لا يمحو آثار الحياة بمعنى النسيان، وإنما ينفض عنها غبار الاعتياد لكي نراها من جديد. وفي تجربة لمياء حسين يتحول ما تتركه الحياة من تعب وذاكرة وصمت إلى أجساد منحنية وألوان متراكمة ومساحات قلقة.

ناقدة وفنانة تشكيلية عراقية

الفنانة التشكيلية لمياء حسين تقف الى جانب احدى لوحاتها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى