من يُضمّد جرحَ الضَّاد؟
عبد الكريم البليخ
الثامن عشر من شهر ديسمبر ـ كانون الأول يحمل معه سنوياً مناسبة استثنائية، حيث يحتفي فيها العالم باللغة العربية بوصفها وعاءً للهوية وذاكرةً للإنسان وحاضنةً لإحدى أعرق الحضارات. إن هذا اليوم العالمي ليس مجرد احتفال رمزي، بل دعوة للتأمل في جمال هذه اللغة وعمقها وقدرتها على التعبير والخلق. وفيه تتجدّد المسؤولية الجماعية للحفاظ على العربية، وتوريثها حيّة نابضة للأجيال القادمة. إنه يوم نقرأ فيه تاريخنا ونستشرف به مستقبل لغتنا في عالمٍ يتسارع نحو التغيير.
يقول الشاعر سليمان العيسى في مطلع إحدى قصائده:
لغةُ الضّادِ يا سِحرَ الخلودِ
يا صدى المجدِ على مرِّ العصورِ
أنتِ تاريخي ونبضُ أمَّتي
ومدى روحي، وعِزُّ الدهورِ.
حالة صعبة للعربية
في إحدى اللَّحظاتِ المفصليَّةِ في التَّاريخِ الأَميركيِّ، صَوَّتَ “الكونغرسُ” منذ نحوِ مئتي عامٍ لاختيارِ اللُّغةِ الرَّسميَّةِ للبلادِ بين الإِنكليزيَّةِ والألمانيَّةِ، ففازتِ الإِنكليزيَّةُ بفارقِ صوتٍ واحدٍ فقط. صوتٌ واحدٌ كان كفيلاً بتحديدِ هُويَّةِ أُمَّةٍ كاملةٍ. تذكَّرتُ هذه الحادثةَ وأنا أرى كيف تتعرَّضُ اللُّغةُ العربيَّةُ في بلدانِنا لعمليَّاتِ إضعافٍ وتشويهٍ تكادُ تنتزعُ منها حضورَها الطبيعيَّ، وتحوِّلُها تدريجيّاً إلى لُغةٍ غريبةٍ عن أهلِها.
ففي مُعظمِ المُدنِ العربيَّةِ اليومَ، تتراجعُ العربيَّةُ في اليافطاتِ والأسماءِ التجاريَّةِ لصالحِ لُغاتٍ أجنبيَّةٍ، حتى لو كُتبت بحروفٍ عربيَّةٍ. يكفي أن نمرَّ بشارعٍ واحدٍ في مدننا العربية في أغلبها لنرى أنَّ أسماءَ المحالِّ والشركاتِ والفنادقِ نادراً ما تحملُ اسماً عربيّاً. لقد أصبح اللجوءُ إلى الاسمِ الأجنبيِّ أشبهَ بشهادةِ “رُقِيٍّ” اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ، بينما باتت الأسماءُ العربيَّةُ تُعدُّ دلالةً على التخلُّفِ وانعدامِ الجاذبيَّةِ. الأخطرُ من ذلك أنَّ هذه الظاهرةَ لم تَعُدْ تُصدِمُ أحداً. تقبَّلها الناسُ كأنَّها قَدَرٌ لا يُناقَشُ، وكأنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ صفحةٌ من الماضي لا صِلةَ لها بالحاضرِ.
وإلى جانبِ هذا المشهدِ اللغويِّ الباهتِ، تتفشَّى الأخطاءُ اللغويَّةُ في الصحفِ والمجلاتِ والكتبِ والبرامجِ الإعلاميَّةِ، بينما يزدادُ استخدامُ المفرداتِ الأجنبيَّةِ على ألسنةِ المتحدِّثين الذين يحاولونَ إظهارَ ثقافتِهم من خلال الابتعادِ عن لغتِهم الأُمِّ. وكأنَّ العربيَّةَ أصبحت عبئاً يخجلُ منه البعضُ. وهذه الظاهرةُ ليست سوى انعكاسٍ لانعدامِ الثقةِ بالنفسِ والانبهارِ بالآخرِ، وانسحابٍ غير واعٍ أمام نفوذِ الثقافاتِ الأجنبيَّةِ.
على الضفَّةِ الأُخرى، نجدُ شعوباً تحمي لغاتِها كما تحمي ذاكرتَها. الإِنكليزُ والفرنسيون مثالانِ واضحانِ؛ يبذلونَ الجهدَ والمالَ لنشرِ لغاتِهم في كلِّ مكانٍ، ويؤسسونَ المراكزَ والمعاهدَ، ويوفّرونَ المنحَ والجوائزَ لمن يتعلَّمُ لغاتِهم. لا يعتبرونَ لغاتِهم وسيلةَ تواصلٍ فحسب، بل رمزاً للهُويَّةِ ومصدراً للقوَّةِ والنفوذِ. وهكذا تفعلُ كلُّ الأُممِ التي تُدركُ أنَّ اللُّغةَ ليست مجردَ أداةٍ، بل هي وعاءُ الحضارةِ وروحُ الأُمَّةِ.
فما الذي أصابَنا نحنُ؟ لماذا نتخلى عن لغتِنا بإرادتِنا ونوجّهُ إليها الطعنَ كلَّ يومٍ بأيدينا؟ كيف أصبح الشارعُ العربيُّ مشبعاً بالأسماءِ الأجنبيَّةِ في سنواتٍ قليلةٍ، ولماذا صمتتِ المؤسَّساتُ الرسميَّةُ والشعبيَّةُ عن هذا التحوُّلِ دون شعورٍ بالخطرِ؟ لقد تحوّلتِ الحربُ على العربيَّةِ من حربٍ يشنُّها المستشرقون والمستعمرون من الخارجِ، إلى حربٍ باردةٍ يشاركُ فيها أبناؤها من الداخلِ، دون وعيٍ بحجمِ الخسارةِ.
والمفارقةُ أنَّ المستشرقين الذين دعوا قبل قرنٍ إلى إحلالِ العاميَّةِ مكانَ الفصحى لم يتوقّعوا أن يأتيَ زمنٌ يتجاوزُ فيه أبناءُ العربِ دعوتَهم ليعتمدوا لُغاتٍ أجنبيَّةً بدلاً من العاميَّةِ والفصحى معاً، لا في لندن ولا باريس، بل في العواصمِ العربيَّةِ نفسِها: القاهرةِ، دمشقَ، بغدادَ، تونسَ، وغيرها.
الأخطرُ أنَّ هذا الانهيارَ اللغويَّ يحدثُ بصمتٍ. لا قانونَ يردعُ، ولا مؤسَّساتٍ تُصلحُ، ولا رأياً عامّاً يحتجُّ. أصبحتِ العربيَّةُ تواجهُ التراجعَ دون أن تجدَ من يدافعُ عنها دفاعاً حقيقيّاً. وهذا التبلّدُ في الإحساسِ بالخطرِ ليس إلّا دليلاً على عمقِ المرضِ، فالمرضُ حين يستفحلُ يفقدُ الجسمُ قدرتَه على الشعورِ به.
ومن هنا، يَبرزُ السؤالُ المُرُّ: هل ما زالتِ اللُّغةُ العربيَّةُ قادرةً على استعادةِ مكانتِها؟ هل نستطيعُ، فعلاً، أن نُعيدَ إليها هُويَّتَها قبل أن تضيعَ نهائيّاً تحت ضغطِ الهيمنةِ الثقافيَّةِ الأجنبيَّةِ واستسلامِنا الداخليِّ؟
أقوال في اللغة
تظلّ اللغة العربية، في صميم الوعي العربي، أكثر من حروفٍ تُنطق، إنها فضاءٌ داخليّ تتشكّل فيه الرؤية ويُعاد فيه إنتاج العالم. ولذا لم يكن غريباً أن يتقدّم مفكرون وأدباء ليشهدوا بعمق حضورها وضرورة استعادتها. فالكاتب السعودي إبراهيم البليهي، الذي لا يخشى مواجهة الموروث أو مساءلة العقول، يقول مؤكداً: “اللغة العربية ليست مجرد وسيلة بيان، إنها طريقة تفكير، ومن استهان بلغته استهان بعقله.”
أما المفكر الجزائري مالك بن نبي، صاحب المشروع الحضاري، فيضع اللغة في قلب نهضة الأمم:
“اللغة هي الوعاء الأصيل للفكرة، وما ضاع قوم ما دامت لغتهم حيّة.”
ويأتي صوت الناقد الفلسطيني إدوارد سعيد ليذكّر بأن استعادة العربية ليست ترفاً، بل شرطٌ لأي نهوضٍ عربي: “اللغة العربية قوةٌ كامنة، لا يمكن لأي أمة عربية أن تتقدم دون استعادتها.”
ويضيف الروائي عبد الرحمن منيف نظرةً تمسّ الذاكرة والهوية: “اللغة ذاكرة، ومن يفقد لغته يفقد جزءاً من تاريخه ومستقبله.”
أما الشاعر الراحل سليمان العيسى فيجعل اللغة روحاً تتنفس بها الأمة: “اللغة العربية هي روح الأمة، ومن يتنكر للغته فقد تنكر لروحه”. ويؤكد في محاضرة أخرى: “مستقبل الطفل العربي يبدأ من لغته، فإذا ضاعت لغته ضاعت ملامحه كلها”.
وفي الشعر، يلمع صوت بدر شاكر السيّاب: ا لشمسُ تُشرقُ في الضحى/ والضادُ تُشرقُ في فَمي/
أُعطي الحروفَ حياتَها / وأصوغُها لِعَلى القِممِ.
ويقول أبو العلاء المعرّي: “إنَّ اللُّغَةَ العُليا لِمَن لازَمَ العُلا، وما العُلا إلا لسانُ الفتى العرَبِيُّ”.
ويصدح الجواهري: “سلامٌ على هضباتِ العراقِ…/ سلامٌ على لغةٍ خالدةٍ/ أنارتْ فِكَرَ الكونِ في آياتِهِ”.
ويذكّر عزمي بشارة بأن العربية ليست ماضياً فقط “اللغة العربية ليست تراثاً فقط، إنها مستقبلٌ يجب أن يُبنى.”
إن إحياء العربية مشروعٌ يبدأ بالتشريع والثقافة والتعليم، ويمتد إلى الإعلام وسوق العمل؛ فاللغة لا تحيا بالحديث عنها بل بممارستها وصونها. ويبقى السؤال معلّقاً: “هل نعيد للغتنا هويتها… أم نتركها تخبو بصمت؟”

