Site icon المزمار الجديد

محمد عبد المطلب … ناقدٌ من طرازٍ فريد

*حكيم البلاغة الأخير وسادن أسرار البيان

*حارس البلاغة الأخير: إرثٌ علميّ يتجاوز الغياب

*مزج عميق بين البلاغة العربية ومناهج النقد الأسلوبي الحديث

*جوائز تليق بمكانة المجدّد الأكبر

أحمد سليم عوض

هو أحد أكثر الأصوات رسوخاً في حقل البلاغة والنقد، وواحدٌ من الرجال الذين حملوا همَّ اللغة. رحل الرجل في الثالثة والثمانين من عمره، بعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من نصف قرن، قضاها بين قراءة التراث، ومجادلة النصوص، والتنقيب في أسرار الأساليب، وبناء مشروع نقدي جعل منه «المُجدِّد الأكبر» في البلاغة العربية الحديثة؛ إنّه الناقد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب.

كان منذ بداياته الأولى يملك ذلك الحسّ العميق الذي يميّز الموهوبين؛ فلم يكن قارئاً عابراً ولا دارساً تقليدياً، بل باحثاً يفتّش في اللغة باعتبارها كائناً حياً يتنفّس ويتطوّر. وُلد عام 1942، ودخل عالم البلاغة من بواباتها الكبرى: الإعجاز البياني، وعلم المعاني، والجرجانيات، وبلاغيات الشعر العربي. درس الرجل حتى نال الدكتوراه، ثم شقّ طريقاً أكاديمياً صعباً، لم يقتصر فيه على التلقّي، بل تجاوز ذلك إلى الاعتراض والتجديد والاقتراح. وقد كان يعلن دائماً أنّ البلاغة ليست «متحفاً لغوياً» كما يظنّ البعض، بل هي علمٌ قادر على مواكبة العصر، وأنّ اللغة العربية تمتلك من الطاقة ما يجعلها جديرة بأن تكون أداةً للمعرفة الجمالية في كلّ الأزمان.

كما عمل في جامعات مصر والعالم العربي، وترك بصمة لا تُنسى على آلاف الطلاب الذين مرّوا في قاعاته ومحاضراته. كان يتعامل مع البلاغة باعتبارها «علم الحياة»، فيعيد تشكيل العلاقة بين المتن والهامش، وبين الدرس النظري والتطبيق، وبين القراءة التراثية والنقد الحديث. ولم تكن محاضراته مجرّد شروح، بل كانت محاورات مفتوحة تُسائل النص، وتفكّك بناءه، وتعيد تركيبه، وتضع القارئ أمام دهشة السؤال قبل يقين الجواب.

الناقد المصري محمد عبد المطلب

تميّز عبد المطلب بأنه واحد من أعمق من مزجوا بين البلاغة العربية التقليدية ومناهج النقد الأسلوبي الحديث؛ إذ كان يقرأ الجرجاني كما لو أنّه مفكّر معاصر، ويقرأ البنيويين كما لو أنّهم امتداد لبلاغة السكاكي والزمخشري. لم ينظر إلى التراث نظرة تبجيلٍ خام، بل نظر إليه من موقع الشريك؛ شريكٍ يحقّ له المكاشفة، والانتقاء، وإعادة البناء. قدّم عشرات الكتب التي أصبح بعضها اليوم مراجع لا غنى عنها، مثل دراساته في الأسلوبية، وقراءاته البلاغية في شعر الحداثة، وبحوثه التي ربط فيها البلاغة بالمعرفة الثقافية والاجتماعية. وكان يؤكّد أنّ البلاغة ليست مجرّد استعارات وكنايات، بل هي «علم القراءة»، وأنّ فهم النصوص الكبرى ـ دينية كانت أو شعرية أو سردية ـ لا يمكن أن يتحقّق دون وعيٍ بلاغيّ راسخ.

لم يكن عبد المطلب ناقداً لغوياً فقط، بل كان قارئاً ممتازاً للشعر العربي، قديمه وحديثه. وقد تميّزت قراءاته بقدرة عالية على اكتشاف البُنى الخفية في القصيدة، ورصد العلاقات بين الصورة والإيقاع والدلالة. وكان يرى أنّ «القصيدة الجيّدة تُقاوِم قارئها»، وأنّ الناقد الجيّد هو الذي يستسلم لدهشة النص دون أن يفقد بوصلته العلمية. ومن أهمّ أعماله دراساته في الشعر الحديث، حيث قدّم قراءات موضوعية لشعراء كبار، وناقش تجاربهم من زاوية بلاغية وأسلوبية جعلت من مقارباته مرجعاً مهماً للباحثين في الجامعات العربية.

إلى جانب عمله الأكاديمي، كان عبد المطلب حاضراً في الساحة الثقافية من خلال مقالاته وندواته ومشاركاته الفكرية. وقد انخرط في عدد كبير من الندوات والمؤتمرات، وشارك في لجان التحكيم الأدبي، وكان عضواً بارزاً في لجان تطوير مناهج اللغة العربية والبلاغة. كما تميّزت لغته النقدية بالوضوح والدقة، وبالقدرة على مزج التراثي بالمعاصر في جملة واحدة. كان يكتب عن البيان العربي كما لو أنّه يكتب عن كائن يعرفه معرفة شخصية، ويتحدّث عن البلاغيين القدماء باعتبارهم معاصرين، ويستدعي نصوصهم لأسباب منهجية لا لإجلالٍ تاريخي.

لم يكن الإنجاز الكبير الذي قدّمه الراحل ليمرّ دون تقدير؛ فقد نال عدداً من الجوائز التي تُعَدّ من أرفع الجوائز في العالم العربي، من بينها: جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة مجمع اللغة العربية، وجائزة مؤسسة الأمير خالد الفيصل العالمية للغة العربية – فرع الدراسات اللغوية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (2011)، وجائزة الدولة التقديرية (2019). وقد شكّلت هذه الجوائز اعترافاً رسمياً بمكانته العلمية ودوره الريادي في التجديد البلاغي وإنتاج المعرفة النقدية.

لم تكن البلاغة بالنسبة له علماً يُدرَس، بل رؤيةً للعالم، ووسيلةً لفهم الإنسان. كان يرى أنّ كل خطاب لغوي هو خطاب بلاغي بالضرورة، وأنّ اللغة تكشف ما تخفيه الثقافة، وأنّ النصوص تحمل داخلها مفاتيح قراءتها لمن يمتلك الأدوات. وكان يؤكّد أنّ البلاغة علمٌ تدخل فيه الفلسفة كما يدخل فيه الوجدان، وأنّ البلاغي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يوازن بين الحسّ الجمالي والفهم العميق؛ لأنّ اللغة – في النهاية – ليست مادة جامدة، بل كائن حيّ، مُراوِغ، يفتح أبوابه لمن يطرقها بإخلاص.

برحيله، فقد النقد العربي صوتاً صلباً من أصواته الكبرى؛ غير أنّ أعماله ومساهماته ستظلّ جزءًا أصيلًا من مكتبة الدرس البلاغي، وسيبقى تأثيره ممتدًا في الجامعات والمناهج والأبحاث. وما تركه من كتب ودراسات يُشكّل خريطة معرفية واضحة، تفتح أبواباً واسعة أمام الباحثين الذين يسعون إلى فهم البلاغة في صورتها الواسعة. لقد كان «حارس البلاغة الأخير»، الرجل الذي صان العلم وقدّمه في هيئة جديدة، رابطاً بين أصالة التراث وحداثة المناهج، ومصوغاً مشروعاً نقدياً سيظلّ حاضرًا لسنوات طويلة.

استاذ أكاديمي وكاتب مصري

Exit mobile version