Site icon المزمار الجديد

من حكايات قريتنا.. الغزالة

عبد الحميد الخلف الإبراهيم

كانت قُطْعان الظّباء في الثّلاثينيّات، وربما في الأربعينيّات، كما سمعت من كَبار السّنّ، تَرِدُ عطشى، في حمّام التّركمان، إلى شِسْعِ النهر أو جزعه، طَرفِه عندَ انكساره، بين الدّاشلي والعُبّارة، تشربُ من نهر التّركمان العذب المتفرّع من البليخ، ثم تعودُ إلى البَرّ، عندما كان برّاً، في منظر جميل انقرضَ بتزايدِ العُمران، أو بازدياد النّاس.

ولم يكتب لي أن أرى غزالة عن كثب، أو أقف إلى جانبها إلّا في مزرعة قطريّة، حيث أعمل.

روى لنا القوم في فويرط شمال قطر أنّ قطعان الظباء كانت تأتي من البرّ إلى البحر عطشى، فتعطو بأعناقها إلى الماء المالح، فتشرب ما شاء لها العطش، فلا ترفع فمها عن الماء حتى ترتوي، فإذا رفعت فمها عنه فإنها لا تعود إليه، بل لعلها تفطن إلى ملوحته، فتلتفت إلى الوراء لتعود إلى البرّ.

وكنت قبل ذلك أتساءل لماذا لا نرى الغزلان في البيوت كما نرى الأغنام والأبقار والإبل وغيرها.

وكان تساؤلي صدى لغزالات محافظ الرّقّة محمد سلمان، الذي خطر له أن يربّي في القصر القديم في حيّ البياطرة (العكيدات) غزالاتٍ، أهداها له بعض المتَقَرّبين من أهل المناطق الحدودية الشّماليّة، جاؤوا بها من تركيا، جعلها في حديقة البيت على الشارع، ليستمتع بمنظرها من يجرؤ على الوقوف أو الالتفات لدى المرور من أمام ذلك القصر، وقد اختلسْتُ النّظر إليها وأنا أعبر أمام القصر دونما وقوف.

وكنت سمعْتُ من أهلي، أنّ غزالة عاشت في بيتهم زمناً، لا أدري أكان طويلاً أم قصيراً، في أوائل الخمسينيات، أهداها أحد أصحابِهم لأبي، فوجَدَتْ لديْهم من العنايةِ ما آنسها وأنساها البرّ، فألِفَتِ البيتَ، وصارتْ تتجول فيه بلا خوف، تدخل من الباب القِبْلي للصّالون إلى الباب الشّمالي، أو تضْوي في أيّ مكان فيه.

كانت العائلة تركت بيت الشَّعَر قبل ذلك بسنوات، باعته بتسعمائة ليرة سورية، وقيل: بثلاثة آلاف ليرة، أو أكثر أو أقلّ! ليُبْنى بدلاً منه صالون من الطّين تتوزعُ فيه ثماني غرَفُ على جانبي صالونين يتصالبان في وسط تلك الغرف، وله بابٌ عالٍ تستطيع النياق المدلّلة التي ولدت في أيّام الثّلج أن تدخل فيه لتجد الدّفء، وكانت الغزالة تخرجُ أحياناً أمام الصّالون فتستظلُّ صيفاً أو ربيعاً إلى جانب سيارة البكر التي كانت أوّل سيارة اقتنوها في ذلك الحين، أو تخْرُجُ إلى الزّرع القريب فترعى، أو تنبحُها الكلابُ فتعودُ إلى البيت، وظلت على هذا المنوال زمناً، ثمّ اختفَتْ ذات يوم، وبحثوا عنها فلم يجدوا لها أثراً، وأدركوا أنّ الكلابَ طاردَتْها، فذهبت بعيداً في البرّ الواسع، فتناسَوا أمْرها مع الأيام.

ومن أحاديث الغزلان ما سمعته من جدي، الذي كان وأبي قادِمَيْنِ من دير الزور فاصطادا غزالةً في الطّريق حملاها معهما في السّيارة لتكون عشاءهم.

كان ذلك في اليوم الذي مرّت فيه بأهل التركمان قوات الهجّانة للفصل بين التّركمان وجيرانهم من قبيلة عنزة، أو البدو، كما كانوا يسمّونهم، في الخلاف الحدوديّ على الأرض التي تتجاور القبيلتان فيها.

ثمّ دارت الأيّام وجاءت الوحدة، وانفصلت الرّقّة عن دير الزّور محافظةً مستقلةً، وجاء الإصلاح الزّراعي والاستيلاء على الأراضي، ثمّ جاء الانفصال فسقط الإصلاح الزّراعيّ والاستيلاء، ثمّ جاء البعث وعاد الاستيلاء..

وللأرض قصص وصراعات بين أجنحة العائلات، وكان لمحمّد الخلف يدٌ فيها كانت أرض (مغيرة) المجاورة للمغارة لخلف الإبراهيم، ولكنّها ملاصقة لبيوت أقاربه محمّد وخليل المصطفى الحسن، فوضعوا أيديَهم عليها وزرعُوها في غياب ابنه محمّد الخلف الإبراهيم الذي كان سيمنع ذلك، فقد كان يؤدّي خدمةَ العلم في دمشق.

وجدْتُ في رسائل محمّد الخلف الإبراهيم من دمشق رسالة، يعاتب فيها أخاه المختار على السّماح لأخوال أولاده (الحسن العلي) بالاستيلاء على أرض (مغيرة) كتب حرفيّاً: خلْني أتسرّح من الجيش وبسيطة لمحمّد المصطفى!

سألت المختار: ماذا صنع محمّد الخلف بعد تسريحه من الجيش؟ فقال: لم يصنع شيئاً! لقد أحبَّ مايا ابنة خالك محمّد المصطفى، وصار يطلب ودّه ورضاه!

أخبرني حسين الهلال أنّ محمّداً الخلف أعطاه جرة ماء صغيرة قُرئ عليها القرآن، ليصبّها في الدنِّ الذي يشرب منه محمّد المصطفى، فدخل إلى حيث يجلس وزوجتَه فاطمة الصّالح، رحمهما الله، والدّنّ قريب منهما، فسكبَ جرّة الماء فيه، وتظاهر أنّه عطشان جاء ليشربَ، فرأتْهُ الشّيخة فاطمة الصّالح وسألتْهُ: ماذا صبَبْتَ في الدنّ يا أفنش؟ اطمئنّ لن نشرَب من هذا الدّنّ، وقامت، فحملت الدَّنّ الثّقيل بنفسها، فسكبت ماءه كلّه على التّراب.

تزوّج محمّد الخلف فيما بعد ابنة خالي محمّد المصطفى، أمّا أرض مْغَيْرة التي اسْتُوليَ عليها فآلت للفلاحين، بعد الإصلاح الزّراعيّ باعتبارها أرضاً لخلف الإبراهيم.

وتعاقب على الرّقة عددٌ من المحافظين: أحمد كحلا ثمّ محمود يونس ثمّ أطولهم عمراً في المنصب وائل اسماعيل، ثمّ خلفه محمّد سلمان، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للإعلام.

في عام 1970 تخلّصت سوريّة من استبداد صلاح جديد، في حركة قام بها حافظ الأسد، بعد صراع بين الرّجلين بدأ منذ الاستيلاء على الحكم بعد ثورة الثّامن من آذار عام 1963 وجرى ترتيب مظاهر ديمقراطيّة منها انتخابات الإدارة المحليّة وانتخابات مجلس الشعب إضافة إلى الانتخابات الرّئاسيّة.

 وفاز محمّد الخلف الإبراهيم في أول انتخابات للإدارة المحليّة، فعمل في المكتب التّنفيذيّ للإدارة المحلّيّة مع المحافظ طويل الأمد وائل إسماعيل، ويبدو أنّ المناصب المستحدَثَة كانت عُشّاً ووكراً للنّهب والرّشاوى والسّرقات.

كان محمّد الخلف الإبراهيم نظيف اليد فلم يمدّ يده إلى الحرام، وكانت ديُونُه تتراكم، ليستطيع أن يظهر بمظهر لائق في المجتمع المحيط به، وذات يوم أوكِلَ إليه موْقِعٌ دسم في الإدارة المحليّة كان يشمل (الأعلاف والتّموين)، وتعرّض للرّشاوى، وأبى أن يتلوّث بذلك الوَخَم.

كان يوافق على طلبات التّجار والمواطنين والوجهاء دونما استغلال أو اختلاس أو رُشى، وفي إحدى المرّات جاء إليه أحد التّجار، من وجهاء جماعة تعمل بالتّجارة، ومن طالبي مادّة العلف، فدسَّ رِزْمةً من الأوراق النّقديّة في دُرج مكتبه، فأخرجها إلى سطح المكتب، وعدّها فوجدها ستّة عشر ألف ليرة، وكان المبلغ كبيراً جدّاً في تلك الأيّام، فسألَ التّاجرَ: ما هذا؟ فقال إنّه ثمن فنجان قهوة! فقال له: إنه مبلغ يكفي لشراء القهوة في حلب والرّقّة ودير الزّور، وأعاد له المبلغ قائلاً: سأوافق على طلباتِك دون قهوة، ما دامت المادّة موجودة.

وقد سمعت أخيراً أنّ أحدهم حاول بكتابةٍ ما تشويه سمعة محمّد الخلف الإبراهيم خلافاً لما عُرف عنه، فكان كناطحٍ صخرة يوماً ليُوهِنَها..

وقد اختلفَ محمّد الخلف الإبراهيم والمحافظ َوائل إسماعيل في الانتخابات الحزبيّة، عام 1975، ففُصل محمّد من الحزب، بتُهمة الطّائفية، ثمّ أكمل عليه محمّد سلمان وعلى غيره من أهل الرّقّة بالسّجن طويل الأمد.

وقد سُجن محمّد الخلف لدى الأمن السّياسيّ سنةً وثلاثةَ أشهر، في سجن حلب بالمسلميّة، ولم يكن مسموحاً أن يزوره أحد، لكنّه استطاع أن يرسل لأهله رسالة طريفةً مع أحد السّجناء الذين كَتَب الله لهم الخروجَ قبْلَه، لقد قصّ أظافر يديه ورجليه وأرسلها ملفوفة بورقة، ففهموا منها: إنّهم لم يقتلعوا أظافره!

ثمّ خرج في أوّل عام 1987.

وكنت يومها أقضي خدمة العلم في مقرّ للجيش الشّعبيّ في وسط الرّقّة، عند الملعب البلديّ، وكنت لدى خروجي من عملي في نهاية الدّوام اليوميّ أمرّ ببيت عمّي عبد القادر القريب، قبل أن أذهب إلى بيت آخر كنت أقيم فيه.

فلمّا دخلت البيت في ذلك اليوم فوجئت بعمّي السّجين محمّدٍ الخلف الإبراهيم جالساً في الصّالون يتحدّث، وعميّ عبد القادر وعائلته يحيطون به، فتحت فمي دهشة، وبقيت واقفاً، وقد عَقَدَت المفاجأةُ لساني، أنظر وأكاد لا أصدّق، فقالوا لي: تفضّل وقام عمّي إليّ، فعانقته وبكيت.  وأحْضِرَتْ سيارةٌ مضى بها عمّاي إلى القرية، بينما لحقْتُ بهم في سيارة عسكرية للجيش.

   زار القرية في مساء وصول عمّي المفرَجَ عنه، أبو ماهر رئيس مفرزة الأمن السّياسيّ بتل أبيض، ليسلّم عليه، وسأله: كم أعطوك إجازة يا أبا خليف؟!

وكانت الإجازة أقلّ من ليلتين، إذ اعتقلَه الأمنُ العسكريُّ، مع اثنين من إخوانه، وعددٍ من أبناء أعمامه، وعددٍ من أبناء قريته، ليُمضِيَ أكثر من خمسةَ عشرَ عاماً في سجن تدمر الرّهيب محكوماً بالإعدام المخفَّف إلى المؤبد، ليخرج بعد وفاة حافظ الأسد في عفوٍ عامٍّ.

ومن أقاصيصه أنّهم أخرجوه من الزّنزانة في السّجن الثّاني بدير الزور مرّاتٍ عديدةً لاستكمال التّحقيقات التي شاركَتْ فيها كلُّ فروع الأمن (العسكريّ والسّياسيّ والجوّيّ وأمن الدّولة..) قال لي إنّه تخيّلَ نفسَه مرّةً يعقد مؤتمراً صحفيّاً، يقوم المحقّقون فيه بدور الصّحفيّين، فيسألونه عمّا وقع له، وما وصلهم من كتَبَةِ التّقارير عنّه، فلم ينكر شيئاً فعلَه.

وطالت لحيتُه في السّجن فأخرجوه ذاتَ مرّةٍ برُفْقَةِ حارس إلى الحمام ليحتلق، وأعطاه الحارسُ عدّة الحلاقة ووقف إلى جانبه (يراقبه كي لا ينتحر!) حلق لحيتَه أوّلاً، ثمّ أهوى بالشَّفْرة على شاربيه، فصاح الحارسُ به: لماذا فعلت هذا يا عمُّ؟ فقال له: يا ابنَ أخي، الشّوارب للرّجال، نحن هنا أشبَه بالنّساء!

لم يحدّثْني عمّي محمّد الخلف الإبراهيم عن التّعذيب الذي تعرّض له في السّجن، لكنّ الذين اعتقلوا معه حدّثوني بالعجائب!

عَجِبْتُ لمن يمرّ بمثل ما مرّوا به، كيف يخرجُ بعد سنوات بتمام عقلِه وقلبِه وجسمِه.

كانت تهمته الانتماء لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ بطبعتِه العراقيّة، ولم يُنكر التّهمة أبداً.

 واحدةٌ من الزَّنازين التي مرّ بها كانت مغلقة بالشّنيمون عدة أشهر، يُرمى له فيها شيء من الخبز من تحت الباب، ويومَ خرج من السّجن الأخير خرجَ برُبْعِ قلب، وأضيفَتْ لقلبه بطارية منشّطة بعد خروجه من السّجن، عاش بها سنوات حتى أسلمَ الرّوح، في الرابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 2012، نازحاً في مزرعتِه عند أقارِبنا العبيدة في العطْشانة، بعيداً عن قذائف الجيش العربيّ السّوريّ على حمّام التّركمان، إثر وصول الجيش (الحرّ) إلى المنطقة لتحريرها من أهليها في الخراب المسمّى (الثّورة المجيدة).

قال لي: كنت أعيش في السّجن حياة البرْزخ بين الدّنيا والآخرة أنتظر الإعدامَ في ايّ لحظة، وفي حياة البرزخ هذه كانت الذّكريات تتوارد متعاقبةً على خاطري!        

تذكّرت أنّنا، ذات يوم، خرجنا بالسّيارة، سيّارة البكر، في الرّبيع، عُقْبَ واحد من العيدين، نعيد زوجَةَ عمِّنا (علي الأحمد العبيد) التي كانت تقضي العيد عند أهلها في شرق سلوك، ولدى عودتِنا اخترنا أن نعود في الطُّرُق الشّرقيّة التي تتسلّل بين الزّروع، على الحدود بين عنزة والتّركمان، من سلوك إلى الإصيلم، فصادَفْنا غزالةً راحتْ تُسابق السّيّارة بشكلٍ لافتٍ غريبٍ، فإذا أسرعْنا أسرعَتْ، وإذا تمهّلنا تمهّلَتْ، تلتقِطُ أنفاسَها، ولم نكن نحملُ معنا بندقيّة لاصطيادها، وعندما صِرنا بمحاذاة حمّام التّركمان، توقّعنا أن تنتهي رحلتُها معنا، فتتابعَ سيرَها إلى الجنوب، في الوقت الذي سننحرِف نحن إلى الغرب باتّجاه أهلنا، لكنها انحرفت قبلَنا، في الطريق الفرعيّ إلى القرية، وانحرفنا وراءَها!

ثمّ آثرنا أن نتوقّف، نتمَشّى بين الزّروع قليلاً، وتفرقْنا عن السّيارة، فما كان من الغزالة التي كنّا نطاردها، أو كانت تلاعـبُنا، إلا أن اقـتربَت من السّيّارة فـضوت عـندها، فغافَـلها خلف الدّوّان الذي كان بصُحْبَتِنا، فضَرَبها بحَجَرةٍ على راسها، ولحق بها فذبحها بالخنجر الذي يحمله، وحملناها معنا وليمةً لذلك اليوم.

في الزّنْزانة التي عشْتُ فيها حياةَ البرزخ، وأنا أتوقّع الإعدام في أيّة لحظة، وفي لحظة من لحظات صفاء الذّهن، رحتُ أتذكّر ما مرّ بي في حياتي من أحداث، تذكّرت أموراً كثيرة لم أتصوّرْ أن تعودَ إلى ذاكرتي، كان من بينها الغزالةَ التي كانت في بيتنا، كان أهداها أحد أصدقائنا لأبيك، ثمّ فقدناها، عرفت نهايتها غير السّعيدة بعد أربعين سنة، وأنا في السّجن، إنها نفسها الغزالة التي لاعبتنا في الطريق، فقتلناها!

كانت تعرف السّيارة وتُسابقُها، لم تَنْسَ أنها كانت تستظلُّ بها، يوم كانت عندنا في البيت، وعندما توقفنا في الزّرعِ، أسرعَتْ إليها، فاستظلّت بها كما كانت تفعل من قبل، كأنّها تستعيد ذكرياتها! ذبحناها.. دون أن ندري أنّها غزالتُنا!

وأصابني النّدم! ولات ساعة مندم!

مدرس لغة عربية سوري مقيم في الدوحة

Exit mobile version