عبد الكريم البليخ
لم يكن اسم الصحفي المقدسي نبيل خوري يمرّ عابراً في الذاكرة الثقافية العربية، بل كان يحضر بوصفه امتداداً لتجربة إنسانية مركّبة، تتداخل فيها الكتابة مع المنفى، والصحافة مع القلق الوجودي. كان اسمه يتردّد كما تتردّد المدن في وجدان من اقتُلِع منها؛ لا كأمكنة جامدة، بل كحالات شعورية تسكن الروح وتعيد تشكيلها. فالرجل لم يكن مجرد كاتب يدوّن الأحداث، بل كان شاهداً يعيشها ويعيد صياغتها بوعيٍ حاد، وإحساسٍ عميق بالمسؤولية تجاه الكلمة.
في سيرته، تتجلى ملامح إنسان اختار أن يضع نفسه في مواجهة العالم، لا من موقع الصخب، بل من موقع الإصرار الهادئ. خاض معارك الكلمة بشجاعة، مدركاً أن ما يُكتب قد يكون أثقل أثراً مما يُقال، وأن النشر ليس فعلاً محايداً، بل موقف قد يكلّف صاحبه الكثير. لذلك، لم تكن تجربته الصحفية مجرد مسار مهني، بل كانت نوعاً من الالتزام الأخلاقي، أو حتى ما يشبه القدر الذي لا يمكن التراجع عنه.
كان خوري، في عمقه، ابن مدينة لا تغادره. القدس لم تكن خلفية جغرافية في حياته، بل كانت مركزاً نفسياً تتفرّع منه كل تجاربه. حملها معه في غربته، واستعادها في كتاباته، حتى بدت كأنها تسكن اللغة نفسها. هذا التعلّق لم يكن مزيجاً من الأشواق والذكريات الدافئة الساذجة، بل كان محاولة دائمة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد توازنه. ومن هنا، يمكن فهم ذلك التوتر الخفي في نصوصه: توتر بين ما كان وما هو كائن، بين الذاكرة والواقع، بين الحلم والانكسار.
اجتماعياً، مثّل خوري نموذجاً للصحافي الذي يتجاوز حدود المهنة إلى فضاء التأثير الثقافي. لم يكن معزولاً في برجٍ لغوي، بل كان منخرطاً في قضايا الناس، قريباً من همومهم، قادراً على التعبير عنها بلغة تجمع بين البساطة والعمق. كان يدرك أن القارئ لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن معنى يضيء تجربته، وعن صوت يعبّر عن قلقه وأسئلته.
أما على المستوى النفسي، فقد بدا خوري كمن يعيش صراعاً دائماً بين الرغبة في الفعل وحدود الواقع. لم يكن يرضى بالاستسلام، لكنه كان واعياً لحجم التعقيد الذي يحيط به. هذا الوعي لم يقُده إلى اليأس، بل إلى نوع من الصلابة الداخلية، تجلّت في قدرته على الاستمرار، وعلى تحويل الخسارة إلى مادة للكتابة. كان، في جوهره، إنساناً يرى في الكلمة وسيلة مقاومة، لا مجرد أداة تعبير.
لقد اختار أن يمشي على حافة الخطر، لا بدافع المغامرة، بل بدافع الإيمان بأن الكتابة الحقيقية لا تولد في المناطق الآمنة. كان يعرف أن الصمت أسهل، وأن التواطؤ أكثر راحة، لكنه آثر أن يظل وفياً لصوته، حتى وإن كلّفه ذلك الكثير. وهنا تكمن فرادته: في هذا الإصرار الهادئ على أن تكون الكلمة موقفاً، وأن تكون الصحافة فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون مهنة.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى نبيل خوري كاسم في تاريخ الصحافة فحسب، بل كتجربة إنسانية تضيء جانباً من علاقة الإنسان بالكلمة، وبالوطن، وبذاته. لقد كان واحداً من أولئك الذين يكتبون لأنهم لا يستطيعون إلا أن يكتبوا، ولأن الصمت بالنسبة لهم شكل من أشكال الخسارة. لذلك، ظلّت كلماته حيّة، لا لأنها قيلت في زمن مضى، بل لأنها ما زالت قادرة على ملامسة ما هو إنساني وعميق فينا.
كان نبيل خوري من أولئك الذين لا يمكن اختزالهم في تعريف مهني بسيط. فهو لم يكن صحفياً يؤدي وظيفة، بل كان كائناً قلقاً يحمل همّ الكلمة، ويؤمن بأن الكتابة فعل حياة، لا مجرد وسيلة تعبير. وُلد في القدس عام 1929، في حارة النصارى تحديداً، تلك الحارة التي لم تغادره قط، بل ظلّت تسكنه حتى وهو بعيد عنها، تتحوّل في نصوصه إلى ذاكرة حيّة، وإلى استعارة كبرى عن الفقد والانتماء. لم يكن خروجه من القدس حدثاً عابراً في سيرته، بل جرحاً تأسيسياً شكّل نظرته إلى العالم، وجعل من الغربة حالة مزدوجة: غربة عن المكان، وغربة عن المعنى.
انخرط مبكراً في العمل الصحفي، قبل أن يحصل على إجازته من جامعة القاهرة، وكأن المهنة نداء داخلي لا ينتظر شهادة. تنقّل بين مؤسسات إعلامية كبرى، من “الحوادث” إلى “المستقبل” التي أصدرها في بيروت ثم في باريس عام 1975، مروراً بإذاعات وصحف عربية متعددة. لكن هذا التنقّل لم يكن مجرد مسار وظيفي، بل كان انعكاساً لقلق وجودي دائم، يدفعه إلى البحث عن مساحة أوسع للتعبير، وعن أفقٍ يحتمل صوته.
في كتاباته، كان خوري يقترب من الإنسان العادي، من تفاصيل الحياة اليومية، من هموم المواطن العربي البسيط، لكنه كان يفعل ذلك بلغة مشبعة بالوعي والسخرية الرقيقة. كان يعرف أن الطريق إلى القارئ لا تمرّ عبر التعقيد، بل عبر الصدق. ولذلك، استطاع أن يحفر اسمه في وجدان قرّائه، لا بوصفه كاتباً بعيداً، بل بوصفه صوتاً يشبههم، ويعبّر عنهم.
على المستوى النفسي، كان خوري نموذجاً للإنسان الذي يحوّل ألمه إلى طاقة إبداعية. لم يستسلم لمرارة التهجير، ولا لثقل الهوية المركّبة كفلسطيني مسيحي في بيئة مضطربة، بل واجه ذلك كله بصلابة داخلية، وبقدرة لافتة على التكيّف دون أن يفقد جوهره. كان يدرك موقعه وحدوده، كما أشار بعض معاصريه، لكنه كان في الوقت ذاته قادراً على تجاوز تلك الحدود بالكلمة، وبالعلاقات، وبحضورٍ إنساني دافئ.
أما اجتماعياً، فقد مثّل خوري جسراً بين عوالم متعددة: بين فلسطين ولبنان، بين المشرق والمهجر، بين الصحافة والأدب. لم يكن منغلقاً في دائرة ضيقة، بل كان منفتحاً على الآخرين، حاضراً في مجالس المثقفين، وصديقاً للشعراء والكتّاب، من بينهم محمود درويش، الذي جمعته به لقاءات باريس، حيث كان الحديث بينهما يتجاوز السياسة إلى تأملات هادئة في الحياة والمنفى والمصير.
ورغم هذا الحضور الواسع، لم يكن خوري أسير الأضواء. ظلّ محتفظاً بتواضع نادر، وبقدرة على الإصغاء، وبميل إلى مشاركة الآخرين مساحته، حتى إنه كان ينشر أحياناً كتابات من يُفترض أنهم منافسون له. كان يرى في الصحافة قضية جماعية، لا ساحة صراع فردي.
نهايته كانت مؤلمة على نحو رمزي. عاد إلى بيروت عام 2002، تلبية لطلب صديقه رياض الريس، ليسلّم مخطوط كتابه الأخير “3000 رأي في 3000 يوم”، لكنه سقط في المطار، ودخل في غيبوبة انتهت برحيله. تلك اللحظة تختزل مفارقة قاسية: رجل قضى حياته في الحركة والكتابة، ينتهي بصمت مفاجئ، وكأن الجسد لم يعد يحتمل ما حمله القلم طويلاً.
رحل خوري، لكن أثره لم يرحل. ترك وراءه إرثاً أدبياً وصحفياً غنياً، يضم روايات مثل “المصباح الأزرق”، و“حارة النصارى”، ومقالات شكّلت علامة فارقة في الكتابة العربية. أكثر من ذلك، ترك نموذجاً إنسانياً للصحفي الذي يعيش قضيته، ولا يكتفي بكتابتها.
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتبهت فيه المعاني، يبدو استحضار تجربة نبيل خوري ضرورة، لا بوصفه رمزاً من الماضي، بل بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن معنى الكتابة، ودورها، وحدودها. لقد كان واحداً من أولئك الذين يعملون بصمت، لكن كلماتهم تظلّ تتردّد طويلاً، كصدى لا ينطفئ في ذاكرة القارئ.
كاتب وصحافي سوري

