Site icon المزمار الجديد

وجوه الراحلين

مرشد خاطر

الإنسان والمعلم والجراح

ـ 4 ـ

عبد السلام العجيلي

في هذه الأيام يضلُّ طالبُ كليةِ الطب في جامعة دمشق، قبل المريض في مشافيها، بين مباني هذه المشافي المتباعدة، المتعددة، الكثيرة الأجنحة والملاحق. فأين أصبح ذلك البناء الرمادي المكوّم بعضه على بعض بشبابيكه البيضاء المزرقّة، وسقفه القرميدي الأحمر، القائم بين أشجار السرو والصنوبر؟ البناء الذي كانوا، منذ عقدين من الزمن، يُسمونه المستشفى الوطني، أو مستشفى الغرباء، أو مستشفى المعهد الطبي العربي في دمشق؟

ذلك البناء البسيط بطابقيه المتواضعين كان مَحجَّ أمانينا وقبلة أنظارنا. وإذا قلت “نحن” فأنا أعني القوافل المتلاحقة من شباب الأقطار العربية الذين، منذ وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ما فتئوا يتوافدون إلى دمشق لتعلُّم الطب في المعهد الوحيد الذي يُدرس آخر المعطيات العلمية في العصر الحاضر بلغة العرب. ذلك البناء البسيط كان محج أمانينا وقبلة أنظارنا؛ يضمّ، في أعيننا، متراكبة متداخلة، مآسي المرض وآمال الشفاء ومعجزات العلم وكوارث الدهر، وفيه تُصرَّف أعنّة الحياة والموت بين سكانه المرضى، ومصائر النجاح والفشل بين رواده الطلاب، نفرٌ قلّةٌ من الناس لكل منهم هالة أو أسطورة، ومناقب ومغامز نتندر بها ونتناقلها في صفوفنا وحلقاتنا، هم أساتذتنا.

وفي مماشي ذلك البناء البسيطة، أو في الطابق الأرضي من جناحه الغربي الذي يضمّ قاعة الجراحة وغرف التعقيم والتهيئة المتصلة بها، أو في الطريق القصيرة التي تصل بين المستشفى وقاعات التدريس إلى جانب تكية السلطان سليم، كان واحدٌ من هؤلاء النفر المتحكّمين بأعنة الحياة والموت ومصائر النجاح والفشل، تتعلق به أعيننا وتنجذب إليه أفئدتنا وهو يسير أو يعمل أو يعلم، خفيف الوطء على أديم الأرض كما يشتهي أبو العلاء، خفيض الصوت، لين الأنامل، تعلو شفتيه ابتسامة فيها من روح المعلم الأول سقراط الشيء الكثير، إذ كانت تجمع إلى جانب السخرية الأسى، وإلى جانبهما أرقّ معاني الإشفاق والمحبّة والوداعة. ذاك كان أستاذنا مرشد خاطر.

كتاب (وجوه الراحلين) من مؤلفات العجيلي

إن الجراحة التي درّسنا الأستاذ مرشد خاطر أمراضها فنٌّ حسيٌّ عمليّ، ترى العين وتلمس الأنامل فيه الآفةَ عاريةً واضحة مقدَّمة لاجتثاثها من الجسم البشري الحي. لا مجال في هذا الفن للغموض أو لأنصاف الحلول، ولا جدوى للتعقيد. وكان أستاذنا أقدر من يسبغ على دروسه هذه الروح وينهج فيها هذا المنهج. ففي دروسه النظرية كانت في حوزتنا مجلدات الأمراض الجراحية الخمسة، تأليف مرشد خاطر، التي كانت تحوي مفصلة، سهلة الفهم والاستيعاب، في اللغة الأنيقة التي لا لكنة فيها ولا عجمة، كل المعارف الجراحية التي يحتاج إليها طالب الطب والطبيب. ولكننا مع ذلك لم نكن نرجع إلى تلك المجلدات، بل كان مرجعنا الوافي هو تلك الدفاتر الرقيقة التي كنا نسجل فيها محاضرات أستاذنا مختصرة ولكنها جامعة، في إلقائه الرصين المركز.

في الساعات التي كان يلقي فيها علينا الأستاذ دروسه، وهي أحاديث أكثر منها دروساً، كانت تتبدّى لنا أكثر الأمراض الجراحية غموضاً في تشخيصها صارخة الأعراض، سهلة على الاستدلال، ذات بساطة حسابية تكاد تكون بديهية. وكذلك كان الأمر في دروس السريريات الجراحية التي كان يلقيها لنا على المرضى في أسرّتهم؛ فقد كان في استقرائه واستنتاجه كالمشرط في يد الجراح الماهر، يضرب ضربته على الآفة فلا يخطئ منها قيد إبرة. كان يريد أن تكون أعيننا وأيدينا هي كل تجهيزاتنا المخبرية، ولا يسمح لنا بأن نترك مريضاً على تساؤل أو استفهام، بل علينا أن نشخص علّته من حاضر ما نراه ونصف علاجه دون اللجوء إلى “إذا” و”إذَن”. كل تلك الصفات من سلامة الإدراك واستقامة القصد وسرعة الفصل هي صفات الجراح الكامل، وهي صفات أستاذنا مرشد خاطر.

ولكن الجراحة من جانبها الآخر، من الجانب الذي يمكن أن نسميه فلسفياً، عملٌ قاسٍ وعنيف ومتعنت، عمل ضد الطبيعة البشرية. واللجوء إليها دليل على تسليم الطبيب بعجزه في مهمته، ومهمته هي أن يعيد إلى العضو المريض سلامته التشريحية والوظيفية، وعلى اضطراره إلى سلوك سبيل الإرهاب والقسوة والعنت. الجراحة هي بتر قسم من المعدة في قرحتها، واستئصال غدة حية كالبروستات في ضخامتها، وهي منع فقرات الظهر من الحركة بتثبيتها بطعم عظمي، وإلغاء الكلية في حالة احتشائها بالحصيات…

مرشد خاطر

وكل ما هو تحريف لتكوين الجسم البشري أو تقييد حرية أعضائه. وهي في هذا تبدو متباينة مع الطبع الهادئ الرقيق، ومع النفس الرقيقة، ومع الحسّ الأدبي والثقافة الشاملة التي كان يتمتع بها أستاذنا مرشد خاطر. فقد كان في مكانه أن نرى أستاذنا، عضو المجمع العلمي العربي، على منبر التدريس يفصّل ويحلّل ويعلّل، في فصاحة البليغ ووثوق المرجع الضليع. وكان في مكانه أيضاً أن نجتمع حوله، محيطين بسرير واحد من المرضى، وهو يدعونا إلى أن نستنبط من تَبدُّل أحد أضلاع مثلث نرسمه على ورك المريض مكان الكسر في عظام حوضه.

إلا أنّ وقوفه تحت مصباح السياليتيك حِذاء منضدة العمليات، في الرداء الأبيض واللثام الأبيض، يحمل مشرطاً مشحوذاً أو منشاراً للعظم كهربائياً، يكاد يبدو في غير محلّه لأعين طلابه المعتمدين على الحواجز المعدنية المُطِلّين على ساحة العملية. فقد كان هؤلاء الطلاب يجدون من طبيعة الأمور أن يشغل هذه الساحة أستاذٌ لهم مديدُ القامة، عصبيٌّ، حادبٌ، تشوفٌ إلى المجهول وجرأة في التنفيذ، أو آخر من أساتذتهم شابٌّ حديد، رياضيّ الجسم، مندفع في خطوه وحركاته. ولكن الهدوء الواثق الذي كان أستاذنا مرشد خاطر يشيعه في قاعة العمليات بحركاته المتزنة، وبتدقيقه، وبتعليقاته الساخرة حتى اللذع، كان يسري إلى معاونيه من الأطباء الداخليين وإلى طلابه المحلقين بحركات أنامله تحت ضوء السياليتيك، مقنعاً هؤلاء وأولئك بأن الرفق والأناة يصلحان لأن يكونا وسيلة النجاح حتى في المقصد العنيف، وبأنه إذا كان في حبّ الجراح للمغامرة وجرأته على المجهول كسبٌ للجراحة كساحة تجارب، فإن رفق الجراح وأناةَ كسبٌ للمريض كإنسان، ووفاءٌ لمهمته، مهمة الجراح التي يمارسها كآسٍ مداوٍ.

ولهم في أجيال الأطباء الذين أتيح لهم الاعتماد على تلك الحواجز المعدنية القائمة في قاعة العمليات في المعهد الطبي العربي، من لا يزالون يذكرون ذلك الرفق وتلك الأناة اللذين اتسمت بهما حركات أنامل أستاذهم مرشد خاطر في أعماله الجراحية، كجزء أصيل من الطابع المتكامل الذي طبعهم معهدهم على غراره، ولا يزالون يحسون بهما كخيط يشدّهم إلى مدرستهم الأم: العلم الذي تلقوه فيها، والروح التي اكتسبوها منها، والذكريات التي عاشوا أحداثها في أكنافها.

أجل، إن جزءاً وافراً من الطابع المتكامل للمعهد الطبي العربي، لهذه الكلية التي هي إحدى دعامتَي الجامعة التي كانت مصنعاً لطلائع البعث العربي في هذا العصر، إن جزءاً وافراً من هذا الطابع يرجع إلى أستاذنا مرشد خاطر كعالم وجراح. وجزءاً أوفر منه قد ساهم فيه الأستاذ مرشد خاطر كلغويٍّ قاده حبّه للغة قومه، وإيمانه بقوتها وحيويتها، إلى أن يكون واحداً من ألمع الروّاد العاملين المنتجين الذين وطّدوا للغة العربية مسالك العلم العصري، والذين سلكوا العلم العصري في مجاري اللغة العربية.

وإنه لإيمانٌ بالعروبة صادق، وإنه لعملٌ للوطن رائع، أن تتحدى ثُلّة من رجال العلم في هذا البلد الناشئ، سورية العربية، غداة خروج العالم من الحرب العالمية الأولى، أن تتحدى تلك الثلةُ التجاربَ الفاشلة والنكساتِ المثبِّطة والتخوّفَ والترددَ، فتقرر أن تُدرِّس الطب وكافة العلوم التي يُستند إليها بالعربية، وبالعربية وحدها. لقد طُرحت القضية، قضيةُ تدريس فنّ الطب والعلوم المتعلقة به بلغة الضاد، على بساط البحث مرتين في العصر الحديث: المرة الأولى في آخر القرن الماضي عند تأسيس الجامعة الأمريكية في بيروت، والثانية في مطلع هذا القرن عند تأسيس الجامعة المصرية في القاهرة. جرّب أساتذة الجامعة الأمريكية التجربة ثم أعلنوا عجزهم عن الاستمرار فيها. وعذرهم كأعاجم غرباء كان معهم. أما في القاهرة فقد قطع أساتذة الجامعة المصرية بفشل المعركة قبل خوضها، وبدأوا منذ البدء بتدريس الطب باللغة الإنكليزية في ذلك البلد العربي. ولكن دمشق كانت أصدق عزماً وأقوى إيماناً بلغتها وبأبنائها، وأعمق نظراً. فتبنّت اللغةَ العربيةَ لغةً علميةً كاملة في جامعتها، الجامعة السورية. جاء في مقدّمة موسوعة الأمراض الجراحية للأستاذ مرشد خاطر، في معرض الكلام على هذه الناحية، قوله: «ثم جاء دور الجامعة السورية، وكان الأَولى بها أن تُسمّى الجامعة العربية لأنها الجامعة الوحيدة التي تُلقّن الطبَّ وفروعه بلغة العرب…» هكذا قال أستاذنا، ونقول نحن إنها جامعة عربية حقيقية، جامعةُ علمٍ لا جامعةُ سياسة، خيرَةٌ إيجابية بنّاءة، كما نقول إن الأستاذ مرشد خاطر كان واحداً من كبريات الدعامات التي قامت عليها تلك الجامعة وقام عليها عملُها المثمر في ميدان القومية العربية الصحيحة.

وبعد، فإن حياة الطبيب ليست إلا صراعاً دائماً مع الموت، موتِ الآخرين، في حين إنه يعلم أنه ميتٌ كالآخرين. فواعجباً لفريسةِ الفناء يقف سدّاً في وجه الفناء! ولكن الطبيب في هذا الصراع الدائم المستمر ينسى موته هو شخصياً في غمرة جهاده لسد الطريق على موت غيره. فإذا جاء الأجل الذي لا مَعدى عنه فإن الطبيب الحق جدير بأن يتلقّاه بهدوء الرواقي ليبكتيت، حين قال لسيّده وهو يشدُّ ساقه في خشبة التعذيب: «إنها ستنكسر!» ذلك أنه ما من حيٍّ، إذا استثنينا الأنبياء والواصلين، مؤهَّلٌ لإدراك حتمية اليقين المطلق ـ الموت أعني ـ مثل الطبيب؛ تؤهّله لذلك معارفُه أولاً، ثم تجاربه التي يعيشها بحواسه وأعصابه تالياً.

ويمضي الطبيب، ربما كالآخرين مصيراً، إلا أن حياته تكون قد امتلأت بذلك الصراع الفريد الذي رفعها في القدر عن حياة الآخرين، وأنّ نفسه تكون، في رواقِيّتِها المكتسَبة بالمعرفة وبالتجربة، قد تحررت من مفازع القلق وخوف المجهول أمام بوابة الموت المظلمة؛ تلك المفازع التي لم يسلم منها حتى الفلاسفة والحكماء.

ذاك أمر الطبيب الحق، أمّا الطبيب المعلّم فهو يزيد عليه بأنه، حتى بعد اختفائه عن سطح خضمّ الحياة، يكون قد استمر بعلمه وتعاليمه حيّاً في أنفس تلاميذه الذين سيصارعون الموت مثلما صارعه هو، والذين قد تهيّئ لهم أيامُهم في مغالبة آلام البشر ما يُثلج صدرَ المعلّم أينما حلّ من ملكوت خالقنا العظيم. إنه يظل حيّاً بحياة طلابه ومريديه، كما يظل الآباء ـ بعد مغادرتهم ظاهر هذه الدنيا ـ أحياءً بحياة أبنائهم، حياةً حقيقية لأن في كل خلية من خلايا جسد الابن جزءاً من خلية الأب، جزءاً دقيقاً ضئيلاً ولكنه حقّاً جزءٌ حيٌّ من الأب مهما بلغ من الدقة والضآلة.

ولقد مضى الأستاذ مرشد خاطر، مضى كجرّاح كبير، وكآسٍ شفيق، وكعالم كان ملءَ أيامه وملءَ فنه. إلا أنه باقٍ، لا بما جهد وألفّ وخلف فحسب، بل بتلاميذه الذين لهم في كل خدمة إنسانية، وفي كل نهضة علمية في أصقاع العرب المتباعدة، باعٌ طويل ونصيب كبير. وهو باقٍ من بعد تلاميذه بما يحمله هؤلاء لتلاميذهم في العلم وخدمة الإنسانية وحبّ الوطن من بذور وودائع سيستمر منها في أجيال النخبة العربية ما يستمر من الأجداد في عروق الأحفاد من خصال العلم الواسع والخلق المتواضع.

وهو باقٍ، بعد هؤلاء وأولئك، ما بقيت هذه الجامعة التي كان أحد أساطينها، وما ملأت لغتُنا الفصحى مدرجاتِها وقاعاتِ الشفاء فيها، وما شعت أنوارُها لخير العرب والإنسانية، ولخير الأجيال القادمة من أمتنا الواحدة الخالدة.

*ألقيت في حفل التابين الذي أقيم في مدرج جامعة دمشق في  11/1/1963

Exit mobile version