*كاتب لم يغادر الأسئلة حتى لحظته الأخيرة
المزمار العربي
لم يكن أحمد عبد الملك اسماً عابراً في سجل الثقافة القطرية والخليجية، بل كان سيرةً تمشي على قدمين، وتكتب ذاتها بمداد التجربة، وتعيد صياغة العمر بوصفه نصاً مفتوحاً على التأمل، والذاكرة، والأسئلة المؤجلة. في رحلته الطويلة ـ التي امتدت لأكثر من نصف قرن ـ لم يفصل بين الإعلام والرواية، ولا بين اليوميّ والتاريخي، ولا بين الذاتيّ والجماعي؛ بل جعل من كل ذلك نسيجاً واحداً، يتجاور فيه الصوت الشخصي مع صدى المكان، وتتماهى فيه المهنة مع القلق الوجودي، والمعرفة مع الحساسية الجمالية.
وُلد أحمد عبد الملك عام 1951 في فريج عبد العزيز، أحد أحياء الدوحة القديمة التي كانت آنذاك بمثابة مختبرٍ أوليّ لتشكّل الوعي، ومسرحٍ مُبكر لاختبار العلاقة بين الإنسان والمكان. هناك، بين الأزقة الرملية، والبيوت المتلاصقة، والمساجد الصغيرة، والأسواق التي تفتح مع الفجر وتغلق مع الغروب، تشكّلت أولى طبقاته النفسية: إحساسٌ حادّ بالجماعة، ووعيٌ مبكر بالتحوّل، وفضولٌ تجاه الحكايات التي يهمس بها الكبار. كانت منطقتا الجسرة ومشيرب ـ بنسيجهما الحضري والرمزي ـ مسرحاً لتكوينه الروحي، ومرآةً لمدينةٍ تتغيّر، ولطفولةٍ كانت ترى في التبدّل وعداً وخسارة في آنٍ معاً.
دخل عالم النشر مبكراً، عام 1970، وهو في التاسعة عشرة من عمره، حين كتب في مجلة العروبة، ثم توالت مشاركاته في العهد والجوهرة. لم تكن تلك البدايات مجرد تدريبٍ صحافي، بل كانت تمريناً على الإصغاء للعالم، وعلى تحويل الخبر إلى معنى، والواقعة إلى سؤال. وفي تلك السنوات، كان المسرح رافداً موازياً؛ فقد مثّل على خشبته مع فرقة الأضواء، وتعلّم أن الجسد ـ كما الكلمة ـ وسيطٌ للتعبير، وأن الصوت يمكن أن يكون سرداً، كما يمكن أن يكون موقفاً.
عام 1969، كتب أول أعماله الدرامية الإذاعية، مسلسل «المحرومة»، ومثّل فيه، في تجربةٍ سبقت تدشين التلفزيون القطري بعام واحد. كانت الإذاعة آنذاك فضاءً سحرياً، تُبنى فيه العوالم بالصوت وحده، وتُستدعى الشخصيات من العدم. ثم، تحت إشراف المخرج الأردني هاني صنوبر، كتب مسلسل «الضياع» في ثلاثين حلقة، مؤكداً قدرته على بناء السرد الطويل، وعلى إدارة الزمن الدرامي بوصفه مرآةً للتيه الإنساني.
مع نهاية السبعينيات، شارك في واحدٍ من أهم المشاريع التأسيسية لوعي الطفولة الخليجية: برنامج «افتح يا سمسم»، مساهماً في كتابة أول مئة حلقة. لم يكن هذا العمل مجرد وظيفة، بل كان إيماناً بأن الكلمة الموجّهة للطفل هي استثمارٌ في المستقبل، وأن التربية الإعلامية جزءٌ من بناء الإنسان. وفي الوقت ذاته، عمل مذيعاً ومقدّم برامج في تلفزيون قطر، جامعاً بين الحضور الصوتي والكتابة، وبين الأداء والتأمل.
على المستوى الأكاديمي، تلقّى تعليمه الجامعي في جامعة بيروت العربية، حيث نال ليسانس الآداب في اللغة العربية عام 1976. ثم ارتحل إلى الخارج، ليحصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة ولاية نيويورك في بافالو عام 1983، والدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز عام 1989. لم تكن هذه الارتحالات مجرد تحصيل علمي، بل كانت اختباراتٍ ثقافية، فتحت وعيه على اختلاف النماذج الإعلامية، وعلى أسئلة الهوية في عالمٍ متشابك. وقد مكّنته هذه التجارب من أن يكون حلقة وصلٍ حيوية بين أجيال الكتّاب، ووسيطاً بين المحليّ والعالميّ، وبين الذاكرة والراهن.
شغل مناصب قيادية في الصحافة، من بينها رئاسة تحرير صحيفة الشرق، ودرّس في جامعة قطر منذ مطلع الثمانينيات، ثم عمل أستاذاً مشاركاً في كلية المجتمع في قطر. كما تولّى منصب مدير الشؤون الإعلامية في الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بين عامي 1993 و1999. في كل هذه المواقع، ظلّ وفياً لفكرة أن الإعلام ليس مهنةً فحسب، بل مسؤولية أخلاقية، وأن المعرفة لا تكتمل إلا إذا وُضعت في سياقها الاجتماعي.
غير أن العام 2005 شكّل منعطفاً حاسماً في مسيرته الإبداعية، إذ أصدر روايته الأولى «أحضان المنافي»، التي تُعدّ باكورة الرواية القطرية. في هذا العمل، لم يكتب سيرةً مباشرة، بل أعاد تشكيل الذات عبر التخييل، مستثمراً الذاكرة بوصفها مادةً جمالية، والمنفى بوصفه حالةً نفسية. ومنذ تلك اللحظة، توالت أعماله الروائية، حتى بلغ عددها أربع عشرة رواية، حازت اثنتان منها جائزة كتارا للرواية العربية: «ميهود والجنيّة» (2019) و«دخان: مذكرات دبلوماسي سابق» (2021).
تميّزت كتابته الروائية بميولٍ واضحة إلى السيرة، ليس بوصفها اعترافاً، بل باعتبارها مختبراً سردياً. ففي «دخان»، كما في «مليورا: مذكرات مضيفة طيران»، كان يكتب عن الآخر ليكتب عن ذاته، ويستعير الأقنعة ليكشف الجوهر. لقد جعل من المذكرات واليوميات والسيرة أدواتٍ لتفكيك السلطة، والذاكرة، والهوية، موظفاً لغةً هادئة، مشبعة بالتأمل، ومفتوحة على التاريخ الشخصي والجماعي.
إلى جانب الرواية، أنجز عشرة كتب مرجعية في الصحافة والإعلام، وكتب في القصة، والنقد، والنثر المفتوح، من بينها كتاب «كتابة الرواية.. مفاهيم وتطبيقات نقدية» بالاشتراك مع الناقد المغربي عبد الرزاق المصباحي. بلغ مجموع مؤلفاته قرابة خمسين كتاباً، في إنتاجٍ متواصل لم ينقطع حتى أيامه الأخيرة.
في عام 2024، أصدر كتاب سيرته «بوح السبعين»، وهو عملٌ تأمليّ يعيد فيه قراءة محطات العمر، لا بوصفها تسلسلاً زمنياً، بل بوصفها طبقاتٍ من الوعي. في هذا الكتاب، يتقدّم أحمد عبد الملك شاهداً على ذاته، وعلى جماعةٍ أسهمت في تشكيله، وأسهم هو في تشكيل وعيها. إنها سيرةُ شخصٍ يرى في الكتابة فعلاً توثيقياً بقدر ما هو فعلٌ جمالي، وفي الذاكرة مسؤولية لا حنيناً فقط.
حتى لحظاته الأخيرة، ظلّ مشغولاً بالتحضير لمشاريع جديدة، وبالمشاركة في اللقاءات الثقافية، وكان آخرها بودكاست حواري لوزارة الثقافة القطرية. غير أن تدهور صحته حال دون إكمال هذه المشاريع، فرحل في المستشفى، تاركاً خلفه إرثاً من النصوص، والأسئلة، والحوارات المفتوحة.
إن سيرة أحمد عبد الملك ليست حكاية نجاحٍ مهني فحسب، بل هي سرديةُ جيلٍ كامل، شهد التأسيس الإعلامي في قطر والخليج، وواكب تحوّلاته، وساهم في صياغة وعيه. هي سيرةُ عبورٍ بين المكان واللغة، بين الصوت والكتابة، وبين الفرد والجماعة. وفي هذا العبور، ظلّ وفيّاً لفكرةٍ واحدة: أن الكتابة، في جوهرها، محاولةٌ لفهم الإنسان، وأن السيرة ـ حين تُكتب بصدق ـ تصبح مرآةً لزمنٍ كامل، لا لصاحبها وحده.

