«أنْ تَرحَل» .. رواية الخيبة العربية!

هيفاء بيطار

تبدو رواية «أن ترحل» للطاهر بن جلّون من الأعمال الدالة في مساره السردي، لأنها لا تكتفي بتشخيص مأزق الشباب المغربي في ظل البطالة وانسداد الأفق، بل تحوّل هذا المأزق إلى سؤال أوسع عن معنى الوطن حين يفشل في صون كرامة أبنائه. فالرحيل هنا ليس نزوة فردية، بل تعبير عن اختلال عميق يدفع الحلم إلى الارتماء خارج الحدود.
وتكتسب الرواية أهمية خاصة لأنها تعيد النظر في صورة الغرب، لا بوصفه أفقاً للتحرر فحسب، بل بوصفه أيضاً فضاء تمارس داخله أشكال متعددة من الفوقية حيال القادمين من العالم الفقير. وبهذا المعنى، فإنها تقدّم موقفاً نقدياً أكثر صراحة من ذلك الذي بدا في أعمال سابقة لبن جلّون، مالت إلى إبراز البعد التنويري في الغرب، في مقابل نقد البنى التقليدية العربية، كما في «ليلة القدر» و”طفل الرمال”.
ولا تنبع قوة الرواية من اتصالها بالواقع المغربي وحده، بل من قابليتها لأن تُقرأ في أفق عربي أوسع. فأزمة العمل، وهشاشة الأجور، وضيق الإمكانات، وتعثر الاندماج الاجتماعي، كلها عناصر تجعل الهجرة في المخيال العربي المعاصر مرادفاً للخلاص، حتى حين يثبت الواقع أن هذا الخلاص نفسه ملتبس ومشروط ومؤلم.
في هذا المستوى، لا تروي «أن ترحل» حكاية شباب يريد مغادرة وطنه فقط، بل تكشف أيضاً التصدّع المزدوج: تصدع الداخل الذي يدفع إلى الرحيل، وتصدع الخارج الذي لا يفي دائماً بوعد العدالة والاحتضان.
بطل الرواية شاب جامعي اسمه عازل، كان متفوقاً في الجامعة، لكنه ابن أسرة فقيرة يعيش من مساعدة أخته التي تعمل ممرضة في مشفى حكومي، وتعمل أيضاً عملاً إضافياً في عيادة طبيب، يعطيها أجراً بخساً.. كل صباح يقصد عازل مقاهي الرصيف وينضم إلى شلة من زملائه في البطالة، يوحدهم حلم واحد أن يهجّوا من وطن يذلهم، ينظرون الى الشاطئ البعيد، تتوق روحهم لبلوغ شاطئ إسبانيا، يستعينون بالحشيش يدخنونه مع الشيشة، كي يخدّروا آلام روحهم وإحباطاتهم، هؤلاء الشبان اليائسين، والمعدمين من الفقر، والذين لم يوفقوا بعمل في وطنهم يستسلموا لابتزاز تجار السفن، الذين يعدونهم بتهريبهم إلى إسبانيا، مجرد عبور مضيق جبل طارق، يصيرون في أرض الأحلام. تجار السفن معدومو الضمير يأخذون المال من الشبّان، يحشرونهم في سفن مهترئة، غالباً ما تغرق، ويموت ركابها، يموت كل سنة مئات من الشبان المغامرين، ولا أحد يهتز لموتهم. ورغم معرفة عازل والعديد من رفاقه بوفاة الكثير من أصدقائهم وغرقهم في البحر، إلا أنهم لم يتراجعوا عن حلمهم الوحيد بالفرار من وطن يذل أبناءه ولا يؤمن لهم عيشاً كريماً. يعتقدُ عازل أن من حسن حظه أنه وسيم، وبأنه معشوق من قبل النساء، يقيم العديد من العلاقات العاطفية، ويتمنى لو يستطيع أن يستقر في إحدى هذه العلاقات، لكن الفقر والبطالة يقفان حائلاً بين نجاح أي حب وتتويجه بالزواج.
يلتقي عازل بميكال وهو رجل إسباني فاحش الثراء في عقده السادس، ميكال أحب المغرب، واشترى فيلا في طنجة، يقضي أشهراً فيها مستمتعاً بطبيعة المغرب الساحرة، ولطف أهلها.. وهو رجل مرموق في طنجة، ومقرّب من الملك،
وكثيراً ما يُدعى إلى حفلات تـُقام في القصر الملكي. ميكال رجل مثقف ويهوى جمع التحف واللوحات، ويعيش حياة باذخة مترفة، وهو شاذ جنسياً ولا يخفي شذوذه، ومن النظرة الأولى سقط في غرام عازل، ودعاه ليعيش معه في قصره.
يعتقد عازل أنه محظوظ، وأن بإمكانه استغلال عشق ميكال له، ليساعده في السفر إلى إسبانيا، يعده ميكال أنه سيحقق له حلمه، وبالفعل يسافر ميكال إلى مدريد ويرسل الأوراق المطلوبة لعازل، الذي جن من الفرح حين ركب الطائرة تاركاً حياة الفقر والذل في طنجة، ليصل إلى قصر بديع في مدريد، ويكون ميكال بانتظاره بشوق ليعرض عليه الوظيفة الوحيدة الممكنة وهي أن يصير عشيقه.
يُذعن عازل لرغبة ميكال، ويحاول أن يبسّط الأمر، بأن ما يقوم به مجرد مهنة، لكن عازل لم يتوقع أبداً حجم الأذى النفسي الذي سيلحق به من عمله كعشيق لثري إسباني شاذ، كل مساء عليه أن يغمض عينيه ويغيب عن ذاته وواقعه، ويتخيل أنه يضاجع امرأة، بينما هو يضاجع ميكال، شيء في روحه تخرّب بشدة وتأذى، ولم يعد بالإمكان إصلاحه.. ورغم أن عازل كان يختفي لأيام من قصر ميكال، ويقيم علاقات مع نساء كي يؤكد لنفسه أنه رجل طبيعي، إلا أن تدهوراً رهيباً وسريعاً أخذ يصيب روحه وأفكاره، وصار ضحية تشوش عاطفي وفكري، واكتئاب رهيب، دفعه لتعاطي المخدرات…
الفضيحة والعار الذي تطرحه الرواية، أن ميكال يؤمن بأنه أنقذ عازل من الفقر والبطالة، وأنه لعب دوراً رائعاً في حياة شاب بلا مستقبل، فما كان ينتظر عازل، فقر وبطالة مؤكدان في وطنه، أو الموت في إحدى السفن التي تهرّب الشبان المغاربة إلى إسبانيا، أما هو فقد قدم له الثراء، والعيش المترف، ولم يبخل عليه بشيء.. ثم إنه أحبّه من كل قلبه وأراده عشيقاً! ميكال ينظر إلى عازل كأداة لمتعته، ورغم أنه يعرف أن عازل لا يميل للرجال فإنه لا يبالي بتلك الحقيقة، بل لا يخطر بباله أبداً أن يتساءل إن كان يسبب أذىً نفسياً لعازل… فعازل بنظره صعلوك فقير بلا مستقبل، انتشله من بؤس طنجة ونقله إلى قصره وأغدق عليه المال والهدايا، ولبى كل طلباته، لدرجة أنه لم يمانع في أن يُشهر إسلامه ويتزوج أخت عازل على الورق طبعاً، كي تتمكن تلك الأخيرة أن تهرب إلى إسبانيا، لأنها كغيرها من الجيل الشاب تحلم بالخلاص من وطن لا يعطيها أبسط حقوقها وهو العيش الكريم، فراتبها هزيل، ومصاريف الحياة كبيرة. تزداد الأزمة النفسية لعازل ويغرق باكتئاب حاد، لدرجة يُصاب بالضعف الجنسي والعنانة، لكن ميكال يجبره على تناول الفياغرا كي يستمر بوظيفته كعشيق، بل إنه يطلب منه أحياناً أن يرتدي ثياب نساء، ويقوم بحركات خلاعية، أمام شلة من الرجال الماجنين أصدقاء ميكال.
يهرب عازل من قصر ميكال بعد أن يسرق الكثير من أمواله ومقتنياته، ويعيش ممزقاً نفسياً، محاولاً أن يجد شيئاً من عزاء باحتكاكه بالجالية المغربية التي تعيش في مدريد، ويصور لنا الروائي بؤس تلك الجالية، وخيبة أحلامها، في أنها ستحصل على حياة أكثر كرامة من وطنها… كما لو أن البؤس قدر هؤلاء الفارين، بؤس في الوطن، وبؤس في البلد الحلم الذي هجّوا إليه. يلتقي عازل بمجموعة من الإسلاميين المتطرفين، ويحاولون جذبه إلى أوساطهم لكنه ينفر منهم، إذ لم يكن الدين مصدر راحة له طوال حياته، ولكنه حين يُضبط بحيازة المخدرات وتعاطيها وتسجنه السلطات الإسبانية، يقرر كي ينجو ويخرج من السجن أن يساوم السلطات الإسبانية على حريته، سيدلها على مكان الإسلاميين المتطرفين، مقابل إطلاق سراحه، وتوافق السلطات، ويطلق سراح عازل، ليوجد مقتولاً بعد أيام، ورأسه منفصلاً عن جسده. هذا هو مصير شاب طموح متفوق في دراسته الجامعية، لكن سنوات الانتظار الذليل في وطنه للحصول على فرصة عمل جعلت روحه تنكسر ويقبل أن يصير عشيقاً لرجل ثري.. ثم يموت في بلد اعتقد أنها ستنصفه وتؤمن له عيشاً كريماً يموت ميتة شنيعة، مذبوحاً كحيوان.
«أن ترحل»، رواية الواقع العربي المؤلم، رواية ملايين من الشبان الباحثين عن فرص عمل في الغرب، يكفي تأمل أبواب السفارات الأجنبية وملاحظة طوابير الشبان العرب الراغبين بالفرار من أوطانهم.. شباب تُهدر طاقاتهم ووجودهم في الضياع واليأس والانتظار، ولا تستفيد منهم أوطانهم، شباب يُفترض أن يبنوا المستقبل ويطوروا أوطانهم، لكنهم لا يجدون ما يسدّ رمقهم!
وبالتأكيد لم يَختر بن جلّون اسم بطله عبثاً، فعازل هو تحبّب من اسم البطل عزّ العرب، فأي عزّ هذا يا عرب! يا من تتشدقون بالمثل العليا، والنخوة، والمروءة، والشهامة، وتتركون أولادكم بلا مستقبل ولا عمل!
والغرب الذي يدّعي الإنسانية، ويتشدّق بالتحدّث عن حقوق الإنسان، وعن المساعدات التي يُقدمها للعالم الثالث وللفقراء. هذا الغرب هو في الغالب بلا ضمير، ولا يهمّه سوى تسخير هؤلاء اليائسين والمحبطين من شباب العالم الثالث لإشباع نزواتهم وانحرافاتهم. إن ميكال المثقف الإسباني والفنان وتاجر اللوحات، لم يبال أبداً بعازل كإنسان، كشاب طموح ذكي يحلم بالزواج والاستقرار والعمل الشريف، بل استغل بؤسه وحاجته ليسخّره عشيقاً، ضارباً عرض الحائط بميوله الحقيقية وبالدمار النفسي الذي سيلحقه به…
رواية «أن ترحل» هي رواية الفضيحة المزدوجة للعالم العربي وللغرب. العالم العربي الذي تضيع نزواته بسبب سوء التخطيط وهدر المال العام، ووجود شلة من اللصوص المنتفعين ينهبون ثروات الوطن ولا يحاسبهم أحد، والغرب الذي لا ينظر لشبان العالم الثالث إلا كعبيد مسخرين لخدمته ويطنطن بشعارات إنسانية زائفة.
كاتبة من سوريا




