Site icon مجلة المزمار العربي

«أولاد حارتنا»… ومحاكمة نجيب محفوظ!

الكتب لا تُهزم بالمصادرة

رجاء النقاش

تُعدّ رواية «أولاد حارتنا» للأديب المصري الكبير نجيب محفوظ، التي بدأ نشرها مسلسلة في جريدة «الأهرام» عام 1959، واحدة من أكثر الروايات العربية إثارةً للجدل، وربما أكثر أعمال محفوظ جرأةً وحساسيةً، حتى غدت، مع مرور السنوات، قضية ثقافية وفكرية ودينية تجاوزت حدود الأدب نفسه. ونجيب محفوظ، الذي حصل لاحقاً على جائزة نوبل للآداب عام 1988، لم يكن يتوقع ــ على الأرجح ــ أن تتحول روايته إلى معركة طويلة تمتد آثارها لعقود، وأن يصبح عمل روائي مادةً للتكفير والمنع والاتهام، بل وللعنف أيضاً.

فقد قرأ معارضو الرواية شخصياتها وأحداثها باعتبارها إحالات رمزية إلى الذات الإلهية والأنبياء وتاريخ الرسالات، ورأوا فيها معالجةً تتجاوز الحدود المسموح بها دينياً، ولا سيما في تصوير الجبلاوي وعلاقته بأبناء الحارة وما يحيط بهم من ظلم وقهر وصراع دائم بين القوة والضعف. وذهب بعض منتقدي الرواية إلى القول إن محفوظ يطرح، من خلال عالمه الروائي، أسئلة شائكة تتعلق بالعدل الإلهي، وبمعاناة الإنسان، وباستمرار الشر والظلم على الرغم من توق البشر الدائم إلى الخلاص.

الكاتب والناقد الراحل محمد رجاء النقاش

ومنذ أن بدأت «الأهرام» نشر الرواية مسلسلة، اندلعت الاعتراضات، وطالب عدد من رجال الأزهر بوقف نشرها، إلا أن محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير «الأهرام» آنذاك، وقف إلى جانب حق محفوظ في نشر عمله، واستمر نشر الرواية حتى نهايتها. لكن الأمر لم ينته عند ذلك.

فالرواية لم تصدر في مصر في طبعة كتابية آنذاك. ورغم عدم صدور قرار رسمي واضح ومعلن بمنعها، فإن الضجّة التي أثارتها أدت إلى تفاهم بين نجيب محفوظ وحسن صبري الخولي، الممثل الشخصي للرئيس جمال عبد الناصر، يقضي بألا تُنشر الرواية في مصر إلا بعد موافقة الأزهر. لذلك صدرت في بيروت عن دار الآداب في مطلع الستينيات، وظلت بعيدة عن النشر الرسمي في مصر سنوات طويلة، في الوقت الذي كانت نسخ منها تجد طريقها إلى القراء بوسائل مختلفة. وهنا تبدأ القضية التي تستحق النقاش حقاً.

فالذين رفضوا رواية «أولاد حارتنا» كان ينبغي عليهم أن يخرجوا إلى الناس بأسباب واضحة ومحددة، وأن يقولوا للقارئ: هذه هي المواضع التي نعترض عليها، وهذه هي الأفكار التي نراها مخالفة أو مسيئة، وهذه حججنا في رفضها. وفي المقابل، كان من حق نجيب محفوظ أن يرد.

بل كان من واجبه الأدبي والفكري أن يشرح رؤيته، وأن يدافع عن حقه في استخدام الرمز والمجاز، وأن يقول للناس ماذا قصد وماذا لم يقصد. وكان من حق أنصاره ونقاده أيضاً أن يدخلوا هذه المعركة بالحجّة والكتاب والمقال والمناظرة، لا بالتكفير أو التهديد أو المصادرة الصامتة. فالثقافة لا تنمو في الظلام.

وحين نمنع كتاباً من دون أن نناقشه، فإننا لا نحمي المجتمع، بل نحرم المجتمع من فرصة تكوين رأيه بنفسه. وحين نطلق على كاتب تهمة الإلحاد أو الزندقة من دون نقاش علني ومنهجي لعمله، فإننا نستبدل الحجة بالحكم، والفكر بالإدانة، والحوار بالخوف. من هنا أقول: كان ينبغي أن تتم «محاكمة» نجيب محفوظ. ولكن أي محاكمة؟

إنني لا أقصد محاكمة قضائية يُقاد فيها الكاتب إلى قفص الاتهام، ولا محاكمة دينية تُصدر حكماً على ضميره وإيمانه، وإنما أقصد محاكمة فكرية وأدبية علنية: تُعرض فيها التهم الموجهة إلى الرواية بوضوح، وتُقدّم النصوص التي يستند إليها المعترضون، ويُسمح للكاتب والنقاد والمدافعين عنه بالرد، ثم يُترك للرأي العام أن يقرأ ويسمع ويفكر ويحكم. بهذه الطريقة وحدها يمكن أن تكون لدينا قضايا عامة حقيقية.

القضية العامة لا تُدار بالأسرار، ولا بالقرارات الغامضة، ولا بمنع كتاب من التداول ثم ترك الناس يتناقلون الشائعات حوله. القضية العامة تحتاج إلى اتهام واضح، ودفاع واضح، ونقاش مفتوح، ثم إلى قارئ يمتلك حق الاختيار.

أما أن يكون هناك كتاب شبه ممنوع، ولا يعرف الناس على وجه الدقة من منعه، ولا ما المادة التي استند إليها المنع، ولا أين تبدأ التهمة وأين تنتهي، فذلك لا يصنع ثقافة، وإنما يصنع أسطورة حول الكتاب، وربما يمنحه من الشهرة أكثر مما كان سيحصل عليه لو تُرك للقراء منذ البداية.

لقد كُفّر نجيب محفوظ بسبب «أولاد حارتنا»، واتُّهم بالإلحاد والزندقة، وظلت الرواية تطارده سنوات طويلة، حتى وصل الأمر لاحقاً إلى محاولة اغتياله. وكل ذلك يطرح سؤالاً أكبر من الرواية نفسها: كيف نتعامل مع العمل الأدبي المختلف؟ هل نواجهه بعمل أدبي آخر؟ هل نرد على الفكرة بفكرة؟ أم نلجأ إلى المنع والتكفير وإسكات الكاتب؟

إنني من أنصار نجيب محفوظ، ومن المدافعين عن حقه في كتابة «أولاد حارتنا»، لكنني ــ لهذا السبب تحديداً ــ كنت أتمنى أن تحدث تلك «المحاكمة» الفكرية الكبرى: أن يجلس الخصوم إلى طاولة واحدة، وأن تُفتح صفحات الرواية أمام الجميع، وأن يقول كل طرف ما لديه بوضوح وشجاعة.

عندها فقط يمكن أن نحصل على قرار عادل، ورأي عام مستنير، وحياة أدبية حقيقية لا تخاف السؤال، وحركة ثقافية لا تعيش في الغرف المغلقة، ولا تختبئ خلف الغموض والأسرار.

فالكتب لا تُهزم بالمصادرة، والأفكار لا تُحاكم بالصمت.

إنما تواجه الكلمة بالكلمة، والحجّة بالحجّة، ويبقى القارئ في النهاية هو الحكم.

كاتب وناقد أدبي مصري

Exit mobile version