Site icon المزمار العربي

ابتسامة بانكسي الماكرة

ستار كاووش

ستار كاووش

هل يمكن للفن أن يؤثر في الناس بشكل عميق؟ هل يمكنه أن يجعلنا نفكر بأحداث حياتنا ومصائرنا وصحوتنا؟ كيف يجد الفنان الوسيلة الجمالية المناسبة لفعل ذلك؟ كيف يمضي بعمله رغم أن كل مفردات ومعالجات الفن قد تم طرحها والاستعانة بها؟ كذلك لم يتبقَّ أهمية للموضوع سواء كان كبيراً أم صغيراً، حيث لا يمكن للموضوعات الآن مهما علا شأنها أن تُحدِث تغييراً جذرياً في الفن. فلم يتبقَّ لدينا سوى إيجاد طريقة جديدة لرؤية هذا الموضوع، أن ننظر إلى الأشياء من زاوية مختلفة. وهذا هو ما فعله الفنان بانكسي الذي ترك فنّه صدمة أو مفاجأة أو حتى تورية بطريقة غير متوقعة في نفوس المتلقين.

مناسبة هذا الحديث هي التمثال الجديد الذي وضعه بانكسي سراً وسط لندن قبل أيام قليلة، والذي أثار لغطاً كبيراً وردود أفعال وصل صداها إلى كل العالم. فما الذي فعله بانكسي كي يحصل على كل هذا الاهتمام وهذا الاعتراف والتقدير؟ هل هي موهبته الفائقة؟ توقيتاته المفاجئة لطرح أعماله؟ جرأته في التعبير؟ سخريته الحادة مثل السيف؟ أم مواقفه الواضحة ضد كل تعسف واستبداد؟ طريقته العصرية في إنجاز أعماله؟ الانتباهات الذكية التي تُذكرنا بـ (ثياب الإمبراطور)؟ أعتقد بأن هذا الفنان يمتلك كل ما ذكرته آنفاً، ويُضاف إليها زاوية النظر المبتكرة التي ينجز من خلالها أعماله. فهو الساحر الذي حوَّل القنبلة إلى وردة، وجعل البالون الصغير أداة سخرية من العجرفة والتسلط، ورسم ألعاب الأطفال كرموز إدانة واحتجاج، وهو الذي يرسم قبلة على جدار قديم فيحوله إلى مزار للعشاق ومحبي الجمال. إنه بانكسي الذي قام بكل هذا وهو غير معروف ومجهول تماماً للجميع، فلا أحد يعرف من هو ولا أحد يدري كيف وأين يعمل. إنه الفنان الذي فضَّل أن يبقى مجهولاً لتتحدث أعماله نيابة عنه، وبذلك صار معروفاً لكل العالم دون أن يراه أحد.

هكذا في كل عمل له يجعل بانكسي العالم في حيرة من أمره، يضرب سرّاً ضربته الجمالية ويختفي عن الأنظار بلمح البصر، وقد تطور عمله مع مرور الوقت، ووجد دائماً الحلول التقنية لإنجاز أعمال سريعة التنفيذ. فحين أنجز ذات مرّة أحد رسوماته على جدار مهمل في لندن، لمحته الشرطة وقامت بمطاردته، فاختفى في حاوية للقمامة، وفكر لحظتها بطريقة أسرع لتنفيذ أعماله كي لا يتمكن أحد من الإمساك به، وهناك وسط القمامة اهتدى لاستعمال القوالب الورقية أو الأشكال المحفورة على الورق، والتي لا تحتاج سوى إلى وضعها على الجدار ورش الألوان البخاخة عليها لينتهي الرسم في ثوانٍ معدودة.

وبالعودة إلى عمله المذهل الذي وضعه سراً قبل أيام وسط ساحة واترلو في مدينة لندن، والذي يمثل رجلاً ممتلئاً ببدلة عصرية، يمسك علماً ويسير إلى الأمام. إلى هنا والأمر طبيعي وربما يبدو مبتذلاً، لكن مفاجأة العمل هي العلم الذي يغطي وجه الرجل وملامحه بالكامل ويمنعه من الرؤية، ثم جاءت ضربة المعلم حين جعل بانكسي التمثال يسير إلى خارج القاعدة، حتى يكاد يسقط من الأعلى ويتحطم تماماً، وهنا تكمن أهمية العمل ورمزيته وكل تأثيره وما يريد التعبير عنه. نعم، إنها الشوفينية العمياء والغطرسة التي تُخفيها البدلات الأنيقة، إنها الأعلام التي تقود إلى الحروب والمستعمرات، والقتلة الذين يريقون دم الضحايا الذين هم بشر مثلهم، إنهم يقتلون شبيههم، أي يقتلون أنفسهم بطريقة أو بأخرى، فياله من انحدار نحو هاوية الأكاذيب الوطنية.

المثير هو أن المنطقة التي وُضع فيها التمثال مليئة بكل سفارات العالم، وهي مخصصة غالباً للاحتفاء والإشارة إلى الفترة الاستعمارية والقوة العسكرية لبريطانيا في القرن التاسع عشر. وهكذا جاء هذا التمثال كاحتجاج صارخ على تاريخ بريطانيا الملطخ بالدماء والمليء بالغطرسة والفوقية.

وفي النهاية لا أحد يعرف كيف أحضر بانكسي هذا التمثال الضخم المصنوع من الراتنج في منتصف الليل وثبَّته سراً في مكانه، رغم أن المنطقة مليئة بالحراسات؟! هذا هو بانكسي الذي يجوب شوارع لندن ليلاً، ليترك آثاره الجمالية ويختفي، وفي الصباح ما أن يذهب الناس إلى أعمالهم تواجههم أعماله الجديدة وتستوقفهم بشدّة، فيما هو يجلس سعيداً في مشغله الذي لا يعرف مكانه أحد، يتابع الأحداث من بعيد وتبدو على وجهه ابتسامة ماكرة.

ناقد وفنان تشكيلي عراقي

Exit mobile version