Site icon المزمار الجديد

اتحاد الكتّاب العرب في سورية: هل بدأ العهد الجديد بإقصاء الكلمة؟

من المؤسف أن يُستهلّ عهدٌ يُفترض أن يكون عهدَ انفتاحٍ وتجديدٍ في اتحاد الكتّاب العرب بقرارٍ يكرّس ثقافة الإقصاء والمنع بدل الحوار والنقاش، وذلك حين تمّ حجب مقالٍ عن النشر في صحيفة الأسبوع الأدبي ـ وهي منبرٌ ثقافيّ عريق يملك الاتحاد شرعيته ويمتلك مسؤوليته الفكرية والأدبية ـ لمجرد أنّ المقال تناول سياسات الاتحاد الأخيرة بالنقد والتساؤل، لا بالتجريح أو الإساءة.

الأدهى من ذلك أنّ كاتب المقال الممنوع ليس صوتاً طارئاً أو معارضاً من خارج المؤسسة، بل هو عضوٌ في المكتب التنفيذي للاتحاد نفسه، ما يجعل واقعة المنع سابقة خطيرة تطرح علامات استفهام حول حدود حرية التعبير داخل البيت الأدبي، ومدى تقبّل القيادة الجديدة، ممثّلةً برئيس الاتحاد الدكتور أحمد جاسم الحسين، للاختلاف في الرأي والرؤية.

إنّ حظر نشر مقالات تناقش قرارات مصيرية كإلغاء المجلات الثقافية أو دمجها، لا يخدم الاتحاد ولا يرفع من شأنه، بل يُضعف صورته أمام المثقفين والرأي العام، ويبعث برسالةٍ مقلقة مفادها أنّ سياسة التكميم لم تبرح مكانها حتى بعد “التحرير” الذي بشّر به كثيرون باعتباره عهداً جديداً من الحرية الفكرية.

إنّ النصّين المرفقين ـ مقال الأديب محمد منصور المعنون «ثقافة الإلغاء والدمج: وداعاً مجلاتنا»، ومقال الأديب والباحث خلف علي الخلف الذي تناول واقعة المنع نفسها ـ لا يحملان سوى حرصٍ صادق على مكانة الاتحاد وتاريخه الثقافي العريق، وعلى حماية ذاكرة مجلاتٍ شكلت وجدان أجيالٍ من الكتّاب السوريين والعرب.

وعليه، فإنّنا نرى في هذا المنع انتكاسةً لروح الاتحاد التي تأسست أصلاً على الحوار والدفاع عن حرية الكلمة، ونوجّه هذه المقدّمة نداءً لإعادة النظر في القرار، وإلى صون حقّ الكتّاب في التعبير عن آرائهم داخل مؤسستهم، دون خوفٍ أو مصادرة.

المزمار العربي

***

بعد التحرير، عيَّنت الإدارة الجديدة مجلسَ تسييرِ أعمالٍ لاتحاد الكتّاب العرب في سوريا. ويُعدّ الاتحاد كياناً مهنياً “نقابياً” كانت تحتله السلطة البائدة. وقبل التعليق لا بد أن أذكر أن في المجلس الجديد أصدقاء ومعارف.

لم يمرّ وقتٌ كافٍ لتقييم سياسات الاتحاد بعد التحرير، والتي يمكن تقييمها على أساس معايير واضحة، كالمهنية والاستقلالية والنقابية؛ بمعنى أنه تجمّعٌ للدفاع عن مصالح الكتّاب ورعاية شؤونهم في الحياة وبعد الوفاة.

كان اتحاد الكتّاب يتقاسم مع وزارة الثقافة النشر في سوريا لفترةٍ طويلة، ولديه؛ إضافةً إلى إصدارات الكتب، عددٌ من المجلّات الدورية، إلى جانب جريدةٍ أسبوعية.

لفت انتباهي بيانٌ لاتحاد الكتّاب ينفي فيه إيقافَ مجلة الموقف الأدبي، ويوضح أن الأمر مجرّدُ تعيينِ زميلةٍ جديدة لرئاسة التحرير. وقد استشففتُ من هذا النفي أن هناك أمراً ما قد حدث.

والحدث تجدونه في مقال العزيز محمد منصور، الذي أؤيّد ما جاء فيه، متمنّياً على الاتحاد إعادةَ النظر في قراره بإيقاف الدوريات، لكنّي مع قرار تحويل الجريدة إلى موقعٍ إلكترونيٍّ يُحدَّث يوميّاً.

أمّا المسألةُ الأخرى التي نأمل أن يُقضى عليها نهائياً، فهي سياسةُ المنعِ من النشر لأسبابٍ غير مهنية وهي على أية حال لم تعد ذات جدوى. فإذا كان رئيسُ تحريرٍ سابقٌ لمجلّةٍ وعضوٌ في المكتب التنفيذي لا يستطيع نشرَ رأيٍ مخالفٍ لرئيس الاتحاد ومؤيّديه داخل المجلس، في مجلةٍ تخصّ الاتحاد، فكيف سيكون حالُ النشر لكاتبٍ أراد أن ينتقد سياسات الاتحاد وخططه ورئيسه وأعضاء مكتبه التنفيذي في منبرٍ تابعٍ للاتحاد!.

الروائي والباحث

خلف علي الخلف

المقال الممنوع من النشر في “الأسبوع الأدبي”

ثقافة الإلغاء والدمج: وداعاً مجلاتنا

محمد منصور

مع انتهاء العهد الملكي في مصر بقيام ثورة يوليو.. أمر أحد مسؤولي الإذاعة المصرية بعدم بث أغنيات أم كلثوم، وعندما سأل الزعيم جمال عبد الناصر عن السبب قيل له: لأنها كانت تغني أيام العهد البائد.. لكن عبد الناصر رد بغضب: طب ما الشمس كانت بتطلع أيام العهد البائد.. نلغيها؟

أسس جورجي زيدان مجلة (الهلال) في مصر في عهد الدولة العثمانية سنة 1892 وصدر عددها الأول في 1 سبتمبر من العام نفسه، تفككت الإمبراطورية العثمانية، وذهبت مصر إلى العهد الملكي، ثم سقطت الملكية وأصبحت مصر جمهورية… وبقيت (الهلال) شاهداً ثقافياً وتاريخياً وسياسياً، في عهد محمد نجيب، ثم جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات فحسني مبارك، وواكبت المجلة ثورة يناير عام 2011 ومازالت تصدر إلى اليوم، حاملة معها سمات كل العهود بخيرها وشرها.

في عام 1925 أسست ممثلة مسرحية اسمها (روز اليوسف) مجلة حملت اسمها، ودعت كبار الكتاب للكتابة فيها، فوبّخها الكاتب الساخر المازني في مقال نشرته في عددها الأول: انت ممثلة ما هي علاقتك بالصحافة كي تنشئي مجلة؟ واستمرت المجلة حاملة لواء التنوير ثم في عهد تأميم الصحافة في الستينات، تحولت إلى مؤسسة صحفية خرجت أجيالاً من الكتاب والنقاد ولاتزال.

مجلة (الهلال) صدرت في العهد العثماني في مصر عام 1892 وهي مستمرة في الصدور رغم تعاقب العهود السياسية.

حين جاء حزب البعث، ألغى بجرة قلم 17 صحيفة يومية كانت تصدر في سوريا، وبعد سنوات قليلة أجبر سمير كحالة على إغلاق الصرح العظيم الذي أسسه والده حبيب كحالة، وما زال علامة فارقة في تاريخ الصحافة الساخرة ونعني بها مجلة “المضحك المبكي” ثم فرّ إلى باريس هرباً من القمع الأسدي بعد حل حافظ الأسد للنقابات عام 1980 ترى لو كانت (المضحك المبكي) مستمرة إلى اليوم في الصدور كم جيل من الصحفيين والكتاب الساخرين كانت قد خرجت؟!

في اجتماع المكتب التنفيذي الأخير لاتحاد الكتاب العرب، تم اتخاذ قرار بإلغاء كل المجلات الثقافية التي كان يصدرها الاتحاد (الموقف الأدبي/ التراث العربي/ الآداب الأجنبية/ الأسبوع الأدبي) واستبدالها بمجلة واحدة وموقع إلكتروني. القرار اتخذ بموافقة ثلاثة أعضاء، إضافة إلى رئيس الاتحاد، ومعارضة عضوين، كاتب هذه السطور أحدهما، وتغيّب ثلاثة أعضاء… أي بموافقة 4 أعضاء من أصل 9 وهو دون الإجماع الذي يستلزم صدور القرارات، ومع ذلك تم تصديره باسم المكتب التنفيذي.

مجلة (الموقف الأدبي) التي صدر العدد الأول في أيار عام 1971 أسسها كبار مثقفي سوريا أمثال جلال فاروق الشريف، زكريا تامر، غسان الرفاعي، صدقي إسماعيل، ومحيي الدين صبحي، تتم اليوم عامها الخامس والخمسين… ورغم الانحدار الذي عانته خلال سنوات الثورة فقد كانت على الأقل خلال ثلاثة عقود من عمرها ديوان الحركة الأدبية السورية. أصغر مطبوعات الاتحاد (الأسبوع الأدبي) التي أسسها الأديب عبد النبي حجازي، تتم بعد شهر ونيف عامها الأربعين… فهل نضحي بكل هذا الإرث لمجرد القول إننا حدثنا ووضعنا بصمتنا الجديدة؟ أليس التحديث هو في صناعة المحتوى وتغيير الخطاب… ورمي قيم النفاق والاستزلام للسلطة التي أبعدت الجريدة عن جمهورها في السنوات الأخيرة؟.

صدقي إسماعيل وجلال فاروق الشريف وزكريا تامر: أدباء سوريون كبار أسسوا (الموقف الأدبي) التي صدر عددها الأول في أيار 1971 قبل 55 عاماً.

قبل أيام زارنا الأديب الأردني محمود الريماوي في الاتحاد مباركاً لسوريا بالتحرير… وهمس في أذني: أتمنى عليكم أن تحافظوا على الإرث الثقافي للاتحاد وتعملوا على تطويره… هناك مجلات تربينا عليها لا تفرطوا بها.

من المؤسف أن يأتي مؤرخ ليكتب بعد عشر سنوات، وقد ابتدأ عهد التحرير بإلغاء المجلات التي كان يصدرها الاتحاد ودمجها في مجلة واحدة… في رسالة تخلي عن الثقافة التخصصية التي كانت المؤسسات الثقافية معنية بإيصالها للناس ودعمها… في زمن كانت تلتزم الدول بدعم الثقافة بدل الشكوى من تكاليفها. يا لفداحة ما سيقوله التاريخ عنا.   

عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الكتاب العرب

Exit mobile version