Site icon المزمار الجديد

التكنولوجيا هل فقدت إنسانيتها؟

إياد حسن

يتقدّم الذكاء الاصطناعي بسرعة تفوق قدرة المجتمعات على التفكير في تبعاته. وبينما ينشغل العالم بالحديث عن فرص الإبداع والإنتاج التي تتيحها هذه التكنولوجيا، تتوسّع في الظل مساحة مظلمة من الاستخدامات التي تمسّ كرامة الإنسان وحقه في الأمان الرقمي. أخطر هذه الاستخدامات اليوم هو توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد صور ومقاطع فاضحة لأشخاص لم يشاركوا فيها أصلاً، وتحويلها إلى أدوات للتشهير والابتزاز والتصفية الاجتماعية.

هذا النوع من الانتهاك لا يُصنَّف كحادثة عابرة أو سوء استخدام فردي، بل يعكس خللاً عميقاً في العلاقة بين التكنولوجيا والقيم. فحين تصبح القدرة على تزوير الجسد والوجه والصوت متاحة للجميع، تتحوّل السمعة إلى مادة هشّة، ويغدو أي فرد عرضة لانتهاك سمعته دون أن يمتلك وسائل فعّالة للدفاع عن نفسه.

النساء يقفن في صدارة المتضررين من هذه الممارسات. فالجسد الأنثوي، المثقل أصلاً بتاريخ طويل من الوصاية الاجتماعية، أصبح مادة جاهزة للاستهداف الرقمي. الصور المولّدة لا تنتهك الخصوصية فقط، بل تعيد إنتاج ثقافة الإدانة السريعة، حيث تُحاكم الضحية اجتماعياً قبل أن يُطرح أي سؤال عن المصدر أو المسؤولية. الضرر هنا لا يتوقف عند حدود الفضاء الافتراضي، بل يمتد إلى العمل والعائلة والعلاقات، ويترك آثاراً نفسية عميقة يصعب احتواؤها.

القوانين القائمة ما تزال عاجزة عن التعامل مع هذا الواقع المتحوّل. في كثير من الحالات، يُترك المتضرر وحيداً في مواجهة محتوى ينتشر بسرعة تفوق قدرة أي إجراء قانوني على إيقافه. ورغم محاولات بعض الدول سنّ تشريعات لتنظيم الذكاء الاصطناعي، تبقى الفجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، وبين سرعة الخوارزميات وبطء العدالة.

المسألة لم تعد تقنية، بل أخلاقية بامتياز. السؤال لم يعد متعلقاً بما تستطيع هذه الأدوات فعله، بل بما ينبغي السماح به، ومن يتحمّل المسؤولية عندما تُستخدم لإلحاق الأذى بالآخرين. ترك هذا المجال بلا ضوابط واضحة يعني القبول بعالم تُنتهك فيه الكرامة الإنسانية باسم التقدّم، وتُختبر فيه القيم أمام خوارزميات لا تعرف معنى الضرر ولا تعترف بالمساءلة.

الذكاء الاصطناعي يفرض اليوم امتحاناً قاسياً على المجتمعات. إما أن يُضبط ضمن إطار أخلاقي وقانوني يحمي الإنسان، أو يُترك ليعيد إنتاج أوجه جديدة من العنف، أكثر تطوراً وأشدّ أثراً.

كاتب وروائي سوري مقيم في النمسا

Exit mobile version