باليت المزمار/ مقال اسبوعي يكتبه:
ستار كاووش
أن تشاهد مجموعة كبيرة من أعمال الفنان باول غوغان في مكان واحد، فهذا استثناء نادر، ولا يحدث كثيراً؛ لأن أعماله موزعة في متاحف كثيرة ومتباعدة. لذا، كان معرضه الذي يقام الآن في متحف «كارلسبرغ غليبتوتيك» في كوبنهاغن بمثابة هدية عظيمة، حيث خصص المتحف جناحاً خاصاً لأعماله ضمن المعرض الكبير للفن الفرنسي بين عامي (١٨٧٠-١٩٢٥).
في الطريق إلى المتحف، ومع كل خطوة، كنتُ أستحضر أعمال غوغان، ألوانه، خطوطه وأفكاره. وما إن اقتربتُ من بوابة المتحف حتى أحسستُ بأن شخصياته ذاتها صارت تنظر إليَّ من بعيد، وتتهيأ لفتح باب المتحف. دخلتُ بسرعة، وأجَّلتُ مؤقتاً رؤية الكثير من أعمال ديغا وإميل برنارد وبيكاسو وفان خوخ، حتى البورتريه الذاتي لسيزان، الذي بدا كأنه ينظر إليَّ من بعيد متسائلاً، وهو يعتمر قبعته السوداء التي تناغمت مع لون لحيته.
هكذا مضيت دون تردد بحثاً عن الصالة التي تحتضن أعمال غوغان، وكنتُ أشعر فعلاً باقترابي من ألوانه الدافئة وخطوطه الواثقة، وحتى الرمزية التي تتخفّى بين ثنايا لوحاته. وما إن وصلتُ إلى باب القاعة الكبيرة حتى بان كل شيء: لوحات ومنحوتات خشبية وتخطيطات، وحتى أعمال خزفية، تكشف كلها عن عوالم غرائبية عاشها، وأنتج من خلالها غوغان أعمالاً مهمة، وهو يتنقل من مدينة إلى ضاحية، ومن جزيرة إلى إقليم، بحثاً عن مناطق بكر تناسب تطلعاته الفنية ورؤيته التواقة لابتكار فن جديد.
ثمانية وخمسون عملاً هي ما يمتلكه المتحف لهذا الفنان، وهذه واحدة من أكبر المجموعات التي تضم أعمال غوغان. وما يضيف أهمية إلى هذا المعرض هو أن هذه الأعمال كانت تتناوب على الخروج نحو متاحف مختلفة في بلدان عديدة لغرض الاستعارة. والآن استرجعها المتحف دفعة واحدة، وعرضها سويةً في هذا المعرض المذهل. إنها استعادة للجمال بأبهى صوره وأعظمها.
في واجهة المعرض، احتلت لوحته المهمّة «امرأة تخيط» مساحة واسعة من الجدار، وهي تعود إلى بداياته، حيث رسم امرأة عارية تجلس على السرير وتنشغل بالخياطة. الموديل اسمها سوزان، وهي من ضمن النساء الكثيرات اللواتي كان غوغان يجلبهن معه إلى المرسم لغرض الرسم.
في هذه اللوحة تظهر إمكاناته المبكرة العظيمة التي جعلته يترك عمله في البورصة، ويصبح واحداً من أعظم الفنانين في تاريخ الرسم. وحين عُرضت هذه اللوحة في أحد معارض الانطباعيين، نالت الكثير من الإعجاب والاهتمام، لكن، رغم ذلك، لم يتمكن غوغان من بيعها. ثم رفضت زوجته الدنماركية ميتي تعليقها في البيت، رغم إعجابها غير المعلن باللوحة، وهذا يعود ربما إلى عدم ثقتها بغوغان وعلاقته بالنساء.
وعند انفصالهما ومغادرة غوغان كوبنهاغن عائداً إلى باريس، احتفظت هي باللوحة، وبعد سنوات قامت ببيعها، لتتنقل اللوحة في بعض الأماكن قبل أن تصل إلى هذا المتحف.
كل شيء في هذه اللوحة ينبئ عن حساسية عظيمة في وضع لمسات الفرشاة. تنقلتُ ببصري بين التفاصيل؛ حيث حركة أصابع المرأة وهي تمسك الإبرة، ولمعان جسدها البضّ الذي سطع أمام خلفية بنفسجية داكنة، والضوء الباهر الذي سقط على جسدها ومنحها الكثير من الرغبة والغواية، وقطعة القماش المقلمة التي وضعها غوغان في أعلى اللوحة لتوازن المشهد، فيما تدلَّت آلة المندولين الموسيقية على الحائط، وأكملت التكوين الفريد لهذه اللوحة.
هذا، برأيي، ما يمنح قيمة للأعمال العظيمة، فماذا يريد متذوق الفن والباحث عن الجمال أكثر من ذلك؟
كان لبعض لوحات غوغان التي رسمها في بريتاني نصيب من المعرض، حيث تطل علينا لوحته «منظر مع نساء من بريتاني» كواحدة من أجمل لوحات المعرض، حيث تقف مجموعة من النساء في صف واحد، بالملابس التقليدية للمقاطعة وأغطية الرؤوس البيضاء التي عُرفت بها هذه المنطقة، ويتطلعن إلى شيء يبدو خارج اللوحة. وتُعيدنا لمسات الفرشاة، بسحباتها العمودية التي تشبه خطوط المطر، إلى تأثيرات سيزان.
قريباً من هذه اللوحة، ظهرت لوحة «فتاة من بريتاني»، حيث تجلس صبية في مقتبل العمر مسترخية على أرض الحقل، وتحيط بها مجموعة من الحيوانات. تشغل الفتاة كل مقدمة اللوحة بوجهها المتسائل وثوبها الأزرق الذي تناغم مع لون الأفق البعيد. لم يهتم غوغان هنا بالمهارة التقليدية للرسم أو جمال الوجه، بل كان هدفه الوصول إلى طريقة جديدة للتلوين، كذلك أراد توزيع الكتل والتدرجات اللونية بطريقة غير مألوفة. وقد قال بصدد ذلك: «لا تهمني الدقة نهائياً».
كذلك لم يخلُ المعرض من لوحات «الطبيعة الميتة» التي منحها غوغان «حياة» من خلال ألوانه الصريحة الحارة، وقد استخدم في إحداها رسماً يابانياً كخلفية، كما فعل صديقه فينسنت فان خوخ في الكثير من لوحاته.
توزعت بين اللوحات بعض منحوتات غوغان الخشبية الملونة بأشكالها الغريبة، التي بدت كأنها تعاويذ سحرية، وحملت الكثير من التعبيرية والرمزية، وامتلأت بالزخارف التي شكلتها أغصان الأشجار والزهور وإيماءات النساء المختلفة. وقد لوَّنها كلها بألوان ترابية دافئة.
أعمال مختلفة التقنيات لهذا الفنان الثائر المختلف، الذي قضى كل حياته بحثاً عن جنته المفقودة، حيث تنقل بين باريس وآرل وكوبنهاغن ومقاطعة بريتاني، ثم تاهيتي. تجولتُ هنا بين مشاهد للبحر والنساء والبيوت، وقد اختلطت سحنات الناس، وتداخلت أزياؤهم المختلفة.
حتى جاءت اللحظة التي ظهرت فيها أمامي أعظم لوحة في المعرض، لوحة لها مكانة استثنائية في تاريخ الرسم، وكأنها أحد الكنوز النادرة، وهي بالفعل كذلك. وهذا ما سأتحدث عنه الأسبوع القادم.
ناقد وفنان تشكيلي عراقي

