Site icon مجلة المزمار العربي

الدلّة في الرّقة.. كرامة تُصبّ في الفناجين

الدلّة عهد غير مكتوب بين الناس

عبد الكريم البليخ

في الرّقة، لا تُوضَع الدلّة في صدر المجلس للزينة، ولا تُرفع أمام الضيوف بوصفها وعاءً نحاسياً جميلاً فحسب. الدلّة هنا تحمل معنى أثقل من معدنها، وأعمق من رائحة القهوة التي تفوح منها. إنها صورة البيت، وكرامة أهله، وذاكرة المكان، وإعلان صريح بأن للضيف مقاماً، وللمجلس حرمة، وللناس أقداراً يجب أن تُصان.

من لا يعرف الرّقة قد يرى في الدلّة أداةً لإعداد القهوة، أما أهلها فيرون فيها تاريخاً كاملاً. يعرفون أن حضورها يعني أن البيت مفتوح، وأن صاحب الحاجة لن يُترك واقفاً على الباب، وأن الغريب يمكن أن يجد مكاناً آمناً، ولو لساعات قليلة. وحين تُوضع الدلّة على النار، فإنها لا تغلي بالماء والبن والهيل وحدها، بل تغلي معها قيم توارثها الناس جيلاً بعد جيل: الكرم، والنخوة، وحفظ المقامات، وإغاثة الملهوف.

لهذا لم تكن القهوة في مجالس الرّقة شراباً عادياً. كانت لغة واضحة يفهمها الجميع. طريقة صبّها، وترتيب الفناجين، ومن يبدأ به الصبّاب، ومن يُقدَّم على غيره؛ كلها تفاصيل تحمل رسائل دقيقة. قد يظنها البعض شكليات قديمة، لكنها في المجتمع الرقي كانت جزءاً من ميزان الاحترام. فتجاوز كبير القوم، أو إهمال ضيف له مكانته، لم يكن حركة عابرة، بل خطأ قد يترك جرحاً في النفس، وربما يفسد مجلساً جاء أصحابه أصلاً لإصلاح ما أفسدته الخصومات.

ومن هنا، لم يكن صبّ القهوة مَهمةً تُعطى لأي شخص. كان الصبّاب يُختار بعناية، لأنه لا يحمل دلّة وفنجاناً فقط، بل يحمل سمعة البيت كله. عليه أن يعرف الرجال، وأن يميّز مقاماتهم، وأن يبدأ من المكان الصحيح، وأن يتحرك بلياقة وهدوء. خطأ صغير منه قد يُفهم على غير قصده، وحركة محسوبة قد تكفي لتأكيد التقدير وردّ الاعتبار.

وفي مجالس الصلح والجاهات، تصبح الدلّة أكثر حضوراً، بل تكاد تتحول إلى طرف صامت في الحوار. قد تُقال كلمات كثيرة، لكن موقفاً واحداً من الفنجان قد يكون أبلغ منها جميعاً. فالضيف الذي يرفض شرب قهوته لا يفعل ذلك عبثاً. إنه يقول بوضوح: لديّ طلب، أو مظلمة، أو حق، ولن أشرب قبل أن أسمع جواباً. عندها يصبح الفنجان وعداً مؤجلاً، ويصبح شربه علامة على القبول أو الاطمئنان أو انتهاء الخصام.

هنا تكمن قوة الدلّة: إنها لا تجامل، ولا تخفي المعنى. في بعض المجالس قد يكون فنجان القهوة بداية صلح، وفي مجالس أخرى قد يكون اختباراً للمروءة. وقد يتحول الامتناع عن شربه إلى موقف يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. لذلك كانت القهوة جزءاً من أخلاق المجلس، لا مجرد ضيافة تُقدَّم وتنتهي.

وللدلّة أيضاً صلة عميقة بحياة البادية والريف. في الأزمنة التي كانت فيها الطرق طويلة والليل موحشاً، كان دخان النار البعيد علامة حياة. يراه المسافر فيعرف أن هناك بيتاً لن يردّه، وناراً لن تُطفأ في وجهه، وفنجاناً سيمنحه شيئاً من الأمان. لم يكن السؤال يومها: هل يملك أهل البيت كثيراً؟ بل: هل يقتسمون ما يملكون؟ فالكرم عند أهل الرّقة لم يكن استعراضاً للمال، بل امتحاناً للأخلاق.

وقد تكون هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تضيع: قيمة الدلّة لم تكن يوماً في النحاس ولا في الزخرفة. قيمتها في اليد التي ترفعها، وفي البيت الذي تخرج منه، وفي المعنى الذي تحمله.

قد تكون الدلّة قديمة، متآكلة الأطراف، وقد تكون آثار النار واضحة على جسدها، لكنها بالنسبة إلى أهل البيت أثمن من قطعة جديدة لامعة؛ لأنها شهدت وجوهاً غابت، ورجالاً رحلوا، وضيوفاً مرّوا، وخصومات انتهت، وأفراحاً وأحزاناً اجتمع الناس حولها.

كثير من دلال الرّقة ليست مقتنيات تراثية، بل سجلات عائلية صامتة. كل خدش فيها يحفظ حكاية، وكل سواد تركته النار يعيد زمناً لم يعد موجوداً. وربما لهذا يتمسّك بها الناس حتى اليوم. في زمن تبدلت فيه البيوت، وتفرقت العائلات، وضاقت المضافات، وصارت العلاقات أكثر برودة، بقيت الدلّة تذكّرهم بما كانوا عليه، وبما لا يريدون خسارته.

الدلّة في الرّقة ليست جزءاً من الماضي فقط، بل موقف من الحاضر أيضاً. إنها تذكير بأن المجتمع لا يحيا بالقوة وحدها، بل بالرحمة والاحترام والوفاء. وتقول إن البيت الذي لا يعرف قدر ضيفه يفقد شيئاً من معناه، وإن المجلس الذي لا يحفظ كرامة الناس لا تنفعه كثرة الكلام.

قد تتغير أدوات إعداد القهوة، وقد تُستبدل النار بموقد حديث، وقد تختصر بعض المجالس طقوسها القديمة، لكن معنى الدلّة لا يسقط بسهولة. فهي بالنسبة إلى أهالي الرّقة ليست عادةً قابلة للنسيان، بل جزء من صورتهم عن أنفسهم. وحين تفوح رائحة الهيل، ويُسمع صوت الفنجان على حافة الدلّة، لا يستعيد الناس طقساً قديماً فحسب، بل يستعيدون مدينةً كاملة: بيوتها المفتوحة، ومضافاتها، ووجوه رجالها، وأحاديثها، وخصوماتها التي انتهت بكلمة وفنجان.

لهذا فإن اختزال الدلّة في معنى الضيافة ظلمٌ لتاريخها. إنها كرامة تُصبّ، وذاكرة تُحمل باليد، وعهدٌ غير مكتوب بين الناس. وربما يكون فنجان قهوة صغير أقدر من خطب طويلة على إعلان الاحترام، وتهدئة النفوس، وردّ الاعتبار، وإعادة ما انكسر بين القلوب.

كاتب وصحفي سوري

Exit mobile version