ذكريات من الماضي الجميل

ذكريات من الزمن الجميل

سعد الرميحي

أتوقّف قليلاً وأستذكر قياداتٍ رياضيةً عملاقة كان لها الدور الكبير في ترك بصمةٍ جميلةٍ في مسيرة الرياضة بوجهٍ عام، وكرة القدم بوجهٍ خاص. وأخصّ بالذكر سموّ الشيخ عبد الله بن خليفة آل ثاني، الذي تحمّل رئاسة اللجنة الأولمبية القطرية في بداية تأسيسها وانطلاق مشوارها نحو المحافل الإقليمية والدولية. وكان لجهوده الكبيرة، مع صفوةٍ من خيرة الشباب القطري الذين تحمّلوا مسؤولية الاتحادات الرياضية في بداية تكوينها، ودعمه اللامحدود لهذه الاتحادات، أثرٌ كبير في دفعها للمشاركة في البطولات الخارجية.

كما أتاحت لي الظروف أن أرافق سموّه في أغلب رحلاته الرياضية بصفتي رئيساً للجنة الإعلامية باللجنة الأولمبية، وقد شاهدت عن قرب مدى حرصه واهتمامه بالرياضيين القطريين وتواجده معهم في أغلب رحلاتهم المهمة، خاصةً مع المنتخب القطري لكرة القدم، وإن لم تسعفه بعض المؤتمرات الدولية لمثل هذه المشاركة.

كما حدث عندما دعاه “سامارانش” رئيس اللجنة الأولمبية الدولية لزيارة مدينة “بادن بادن” للمشاركة في اجتماعاتها هناك، حيث كانت تلك المشاركة الأولى لقطر في هذا المحفل الدولي، ناهيك عن أنه، في هذا المؤتمر، تمّ التصويت على المدينة التي ستحظى بشرف تنظيم أولمبياد 1988م، وأذكر أن التصويت يومها أسفر عن فوز مدينة “سيول” عاصمة كوريا الجنوبية.

ومن الصدف العجيبة وقتها، أن منتخبنا القطري للشباب كان يصول ويجول ويُبدع وهو يقدّم أجمل المباريات في كأس العالم للشباب في أستراليا، فقد كانت أخباره تصلنا ونحن برفقة سموّه هناك.

إنني إذ أستذكر مثل هذه المواقف لأولئك الرجال الذين كان لهم الفضل ـ بعد الله ـ فيما وصلت إليه مكانة قطر في عالم الرياضة، واستحقاقها شرف تنظيم مونديال كأس العالم 2022، الذي كان فريداً في تنظيمه وحسن إدارته، مهما تعالت الأصوات النشاز، فإن صوت العقل والمنطق والضمير يقول عكس ما روّجته بعض وسائل الإعلام من أكاذيب وافتراءات.

شكراً لسموّ الشيخ عبد الله بن خليفة، وشكراً لكل أولئك الرجال الذين عملوا معه. رحم الله من توفّي منهم، وأطال الله في عمره وعمر الباقين.

والصورة المرفقة أُخذت عام 1984م، وأنا أتحدّث مع سموّه ـ حفظه الله ـ وهو يشاهد افتتاح الدورة العربية لكرة اليد في منصة كبار الشخصيات بصالة خليفة الرياضية في مجمّع خليفة الرياضي آنذاك.

**

من صور الذكريات الجميلة التي وافاني بها الأخ العزيز سعيد الله خان، أحد الكوادر التي عملت في تلفزيون قطر، صورةٌ تجمعني مع صحفيين باكستانيين، وهم يجرون معي حواراً صحفياً حول أزمة الخليج التي حدثت عام 1990م بسبب الغزو العراقي لدولة الكويت.

كان الإعلام في ذلك الوقت يعيش حالةً من الاستنفار بسبب قرب الحرب لتحرير الكويت، وقد يكون ذلك واحداً من الحوارات العديدة التي أجريتها في تلك الفترة، فقد كان التلفزيون يعجّ بالحركة وكثرة الزوّار، سواء للمشاركة في البرامج أو في زيارات وفودٍ عربيةٍ وأجنبيةٍ تزورنا بين الحين والآخر. وهذه ظاهرة كانت ـ وأتمنى أن تكون ما زالت ـ مستمرة، لأن التلفزيون والإذاعة ودور الصحف المحلية هي واجهاتٌ إعلاميةٌ للدولة والمجتمع.

وعلى الرغم من وجود الفضائيات الكثيرة، سواء الرسمية أو الخاصة، تبقى المحطات الرسمية لها خصوصيتها وأهميتها. لذلك تحرص بعض المؤسسات التعليمية على إفساح المجال أمام الطلاب، خاصة صغار السن، لزيارة هذه المحطة أو تلك. ومن محاسن الصدف أنني ألتقي في بعض الأحيان ببعض الشباب، وأتفاجأ حين يقول لي أحدهم: “لقد زرت التلفزيون مع مدرستي في تلك السنة عندما كنت صغيراً، وقمنا بجولةٍ فيه”. وبعضهم يقول: “أنا شاركت في برنامج الأطفال”.

إنها لحظات تبعث السعادة، حين تكتشف أن عملاً قام به زملاؤك قد ترك أثراً في نفوس أطفال الأمس، رجال اليوم.

وحسناً فعلت قناة الريان حين خصصت قناةً خاصة تبثّ فيها الأفلام والأحداث القديمة، وكأنها تربط الحاضر بالماضي، وتذكّر الناس بمن عمل كثيراً لنعيش نحن اليوم في هذا الوضع المزدهر، وكيف سارت الأمور في الماضي بشكلٍ أكسبها محبة واحترام جيل اليوم.

ولقد أحسنت محطات دول الخليج العربي حين أقدمت على تقليد خطوة قناة الريان القديمة، فصرنا نشاهد بعض صور وأفلام الذكريات وهي تُبث على الفضاء، كما أصبحنا نتابع عبر حسابات مثل “الإنستغرام” أحداثاً وصوراً قديمة من ماضينا الجميل تربطنا بحاضرنا الحالي.

لذلك، أنصح كثيراً من إخواني وأبنائي بأن يُسجّل كلٌّ منهم أحداثاً مرّت في حياته، ويوثّقها بالصورة والكتابة، فحتماً سيحتاج إليها عندما يدور الزمن دورته.

شكراً أخي العزيز سعيد الله خان على هذه الصورة، التي أُخذت يوم 28 ديسمبر 1990م، قبل بدء حرب تحرير الكويت بأيامٍ قليلة، ويبدو فيها صورتي وأنا أتحدث في الهاتف، بينما جلس الصحفيان أمامي، ويقف “عبيد” الرجل الطيب ـ يسار الصورة ـ وهو يقدّم القهوة للضيوف.

**

يعود تاريخ هذه الصورة إلى شهر مارس 1992م، وأنا أحمل ابني الصغير “جاسم”، ونحن نحتفل بمناسبة فوز فريق نادينا الاتحاد ـ “الغرافة” حالياً ـ ببطولة الدوري العام على مستوى أندية الدرجة الأولى لأول مرة منذ تأسيس النادي، ليكسر بذلك احتكار أنديةٍ سيطرت على بطولة الدوري لسنواتٍ طويلة، ويعلن نفسه كأحد الأندية الكبيرة على المستوى المحلي، ويبدأ رحلته مع هذه البطولة التي فاز بها مراتٍ عدة، بل واطلّ بعدها على ساحات البطولات الخارجية.

شخصياً، أتمنى من كل قلبي أن يفوز فريق النادي العربي بالبطولة هذه المرة، فكلما شاهدت الفريق وجمهوره الوفي المحب والمخلص وهو يقف خلفه مشجعاً ومؤازراً، رغم قحط السنين ومضيّ الأيام دون أي بطولةٍ كبيرة تتناسب مع تاريخ النادي ومكانته العريقة بين أندية قطر والخليج، أُصاب بحسرةٍ وألم.

فمن غير العدل أن يغيب العربي عن منصات التتويج طوال هذه السنين، حيث كان آخر موعدٍ له مع بطولة الدوري عام 1997 وكأس الأمير فاز بها 9 مرات آخرها في عام 2023م. كما أنه من المهم ألّا تغيب أندية كبيرة لها سجلٌّ حافل في ميدان البطولات والكؤوس عن منصات التتويج، والتي مضى عليها سنواتٌ طويلة دون أن تدوّن اسمها في لوحة شرف الفوز بمثل هاتين البطولتين الكبيرتين. وهذا أمرٌ يُعاكس طبيعة مسار كرة القدم التي دُوّنت في سجلاتها أسماء مثل هذه الأندية لسنواتٍ مضت.

نعم، قد تكون الإمكانيات المادية تلعب دورها في مسار البطولات في كل ملاعب العالم، ولكن يُسجَّل لمثل هذه الأندية، بما تملكه من قواعد جماهيريةٍ كبيرة، أنها قادرةٌ على أن تمنح مسابقاتنا المحلية نكهتها الخاصة.

مع خالص التمنيات بأن يحقق العربي آمال جماهيره ويفوز ببطولة الدوري في قطر هذا الموسم.

الصورة المرفقة جمعت بعض لاعبي نادينا الغالي “الغرافة”؛ في يسارها ابني محمد عندما كان صغيراً، ثم هناك بعض اللاعبين، يمين الصورة حسن فرج، ويسارها علي إبراهيم، وبجانبه مولى حسين، وغيرهم من لاعبي النادي.

وُلد جاسم في 4 يونيو 1989م، وهو شقيق لإخوانه محمد وعبد الله، ويبلغ حالياً من العمر نحو 35 عاماً، وهو أبٌ لثلاث بنات: الجازي، ومريم، ولولوة.

تخرّج من جامعة “نورث وِسترن”، وهي إحدى جامعات المدينة التعليمية في قطر، وتخصّص في الإعلام، وله مساهماتٌ جميلة مع زملائه في حقل الإعلام القطري، ويُكمل معهم مسيرة من سبقه في هذا الميدان من أبناء هذا الوطن الغالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى