عبد الكريم البليخ
لم يكن عبد السلام العجيلي من أولئك الذين يخطّون لحياتهم بخطوطٍ مستقيمة، أو يُعلّقون على جدران أعمارهم أهدافاً محدّدة يطاردونها بلهفةٍ قلقة. لقد عاش، على نحوٍ يكاد يبدو عفوياً، حياةً خفيفة الوطأة على روحه، قليلة الاحتكاك بما يُكدّر الصفاء الداخلي. لم يكن الزهد عنده انصرافاً عن العالم، بل أسلوباً في التخفّف من ثِقله؛ كأنّه أدرك باكراً أن المعنى لا يُنال بالمطاردة، بل يُهتدى إليه في سكينة القبول.
خرج من حياته، كما يدخل المرء في مساءٍ هادئ، برضىً داخليٍّ نادر، رضىً لا يستمدّ مشروعيته من تصفيق الآخرين، بل من مصالحةٍ صامتة مع الذات. وكان يرجوـ في عمق هذا الصفاء ـ أن يمتدّ ذلك الرضى ليحظى بقبولٍ أعلى، عند من لا تخفى عليه خفايا النفوس. هكذا تماهت حياته بين أفقين: أفق الضمير، وأفق الغيب، في توازنٍ أخلاقيّ وإنسانيّ دقيق.
ولعلّ أكثر ما يُلفت في تجربته أنّه أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان وعمله. فالطبّ، بما يحمله من جدّية ومسؤولية، لم يتحوّل لديه إلى عبءٍ مهنيٍّ ثقيل، بل ظلّ محتفظاً بخفّة الهواية، بروح الفضول والاكتشاف، لا بروح الأداء القسري. وكذلك الأدب، لم يكن مشروع مجدٍ أو وسيلة إثبات، بل امتداداً داخلياً لحاجته إلى التعبير، إلى التقاط الهشاشة الإنسانية في لحظاتها العابرة. كان يُصرّ، بإصرارٍ يكاد يكون موقفاً فلسفياً، على أنّ ما يكتبه ليس “مهنة”، بل فعل حرّ، أشبه بنبضٍ يتكرّر لأنّه حيّ.
وفي عالمٍ تتزايد فيه القيود غير المرئية، كان العجيلي يسيرـ حرفياً ومجازياً ـ على طريق الهواية. لم يرَ في الحياة نظاماً من الإلزامات الصارمة، بل فضاءً مفتوحاً للتجربة. حتى السفر لم يكن عنده هروباً أو استعراضاً، بل نوعاً من الإصغاء للعالم، ومشيه الدائم لم يكن بحثاً عن رياضةٍ بقدر ما كان استجابةً لنداءٍ جسديٍّ خفي، يُذكّره بأن الإنسان كائنٌ خُلق للحركة، لا للجمود.
كان، رحمه الله، يحبّ السير ليلاً ونهاراً، وقلّ ما استخدم السيارة، كما يستخدمها الآخرون، حتى إذا سافر إلى بلادٍ يجهلها، فهو يمشي فيها لا طلباً للرياضة، ولكن يجدُ جسمه بحاجة للحركة.
إنّ هذه الرؤية، في جوهرها، ليست بساطةً ساذجة، بل موقفٌ وجوديّ عميق: أن تعيش دون أن تُثقِل الحياة عليك، وأن تمارس أدوارك دون أن تستعبدك، وأن تمضي ـ في نهاية المطاف ـ خفيفاً، كأنك لم تأتِ لتملك العالم، بل لتفهمه، ثم تتركه بسلام.
كاتب وصحافي سوري

