علي حسين
أخطر ما ابتُلي به العراق أن تولّى أمره وتحدّث باسمه من لا يعرف قدره ومكانته.. اليوم كنتُ أنظر إلى وجوه مجموعة من الجالسين في إحدى المقاهي.. شباب وشيوخ، وفي الوسط رجل مسن ينظر بقلق إلى شاشة التلفزيون، كانت المناسبة لعبة كرة القدم التي ستذهب بالفريق العراقي إلى كأس العالم.
كنتُ أنظر إلى الوجه العراقي الذي أتعَبه الزمن وتسلّط الأغبياء، وأنا أقول لصديق متحدّياً أن يجد سياسياً يحب العراق مثل هذا الرجل، الذي قال إنه لم يستطع صبراً ويجلس في البيت ليتابع أولاده حسب قوله، فأجبر ابنه أن يذهب به إلى المقهى ليشارك الناس الفرحة وهم يهتفون باسم العراق.. حين تحدّث الرجل الثمانيني ران الصمت على المقهى، وكأن الجميع يتعبّد في محراب الكلمات.. لمعت العيون بدمع واحد، لا فرق بين ما تراه في عيني شاب يسكن مدينة الصدر، وعيني رجل جاء من الموصل.
تستمع إلى تعليقات المتابعين للمباراة وهم يرددون كلمات التشجيع لأعضاء المنتخب بخشوع، فتشعر معهم أن الجميع يستحضر ذكريات سنوات جميلة وسعيدة من حياته، أو لعلها أشبه بنوبة حنين إلى العراق كما ينبغي له أن يكون، كبيراً، فتياً، شامخاً، مرفوع الجبين، متدفقاً شباباً وحيوية، لا يتحسس الضربات التي نالت منه، ولا ينشغل بالنظر في المرآة طويلاً ذعراً من تجاعيد الزمن وقسوة السنين، وألاعيب صبيان السياسة.
وأنا أنظر إلى وجوه المتابعين للمباراة، والتي انمحت منها علامات الطائفية والمذهبية.. وجوه تعيد اكتشاف جوهر هذا الشعب.. وجدت نفسي أمام مواطنين بسطاء يريدون أن ينفضوا عن هذا الوطن غبار الطائفية والمحسوبية والانتهازية، ولعل أجمل ما في وجوه المتابعين للمباراة أنها أثبتت أننا شعب لم يتفسخ بعد، رغم سياسة التنكيل والإفساد وشراء الذمم التي مورست خلال السنوات الماضية، شعب لم يفسد رغم محاولات البعض إفساد مناخ الألفة فيه وزرع قيم الطائفية فيه، وبث الفرقة بين أبنائه، وسياسة التخويف والقتل على الهوية.. دهشتني وأفرحتني هذه الاستعادة المبهجة لأصالة ووطنية الشخصية العراقية، في لحظة تصوّر البعض أن أحزاب الطوائف استطاعت أن تحرق مساحات الفرح والخضرة فيها.. وهل هناك وطنية أكبر وأنضج من الموقف الذي اتخذه هذا الرجل الذي لا نعرف إلى أي طائفة ينتمي، حين وقف يهتف بصوت عالٍ وهو يرى أحد أبنائه كما سماهم يسجل هدف الفوز، لم يسأل إلى أي طائفة ينتمي، وفي أي محافظة يسكن أهله وأقاربه، ففي عتمة الانتهازية السياسية وألاعيب القرقوزات لتشويه صورة هذا الشعب، وفي ظل مخطط شديد لتسفيه من يرفع شعار العراق أولاً ووصفهم بالعمالة، نجد أناساً بسطاء يتحدثون عن العراق، فنشعر بنبرة الصدق تشرق في ملامح وجوههم.
كاتب عراقي

