Site icon المزمار العربي

الفقدُ في رواية (ذاكرة مقهورة)

نظلّ نتذكّر فداحة الحرب ولؤمها

جاسم الكشّة

تقول العتبة السردية قُبيل الفصل الأول في رواية ذاكرة مقهورة: (الجزيرة إقليمٌ نفيس، وثغرٌ من ثغور المسلمين، وهو واسطةٌ بين العراق والشام، ومنزل الأخيار، ومعدن الخيل العتاق، رخيص الأسعار، جيد الثمار) ص9.

يليها تعليق عصري صادم يقول: كلّ ذلك اليوم مفقود.

هذا يكشف بوضوحٍ صارخ عن مفارقة تاريخية مأساوية، حيث يستحضر الكاتب وصف الجزيرة العائد إلى عصورٍ مزدهرة بالخير والعمران والأمن (ومنها مدينة الرّقة مسرح روايته)، ويقارنها باليوم ليجد فوارق كبيرة إلى حدّ الذهول.

والتعليق العصري إعلان جارح للفقد الذي تعاني منه خلال الحرب، وبعد الحرب!

إنّه الفقد المؤلم بكلّ أشكاله ووجوهه:

1ــ الفقد المادي، فالبنى التحتية في مدينة الرّقة من مبانٍ، وطرقاتٍ، ومنشآت، وأسواق دُمِّرَتْ، أو نالت نصيباً كبيراً من الخراب، وذكرت تقارير دولية محايدة أنّ نسبة الدمار في الرّقة بلغت فيها نسبة 85%، وجاء في الرواية: ( الضربات العسكرية الجوية تكثّفت على المدينة في طرفي النهار، وزلفٍ من الليل، وبحجّة القضاء على الإرهاب، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى الأبرياء، وتركت تدميراً لم تشهده المدينة في تاريخها حتى في أيام التتار حين عبروها) ص16.

2ـــ الفقد الاقتصادي، فحلّ نقصٌ في الثمرات، وجفافٌ في المواسم ، هُجِرتْ الحقول، وماتت الأشجار، وتوقفت المعامل، وتدهورت الزراعة، والصناعة، والتجارة، ونهر الفرات شريان الحياة في المنطقة صار خيطاً نحيلاً لم يسلم من الأذى، وصارت الرقة محاصرة من كلّ الجهات، وانتشر الغلاء، والجوع، والفقر، والبطالة إلى درجةٍ بات كثيرون فيها يبحثون عن لقمةٍ تسدّ جوعهم في حاويات القُمامة: (لفتَ نظري رجلٌ يمسح الرصيف بعينيه، ويطرد كلاباً سمنت من لحوم البشر، يجمع فوارق زجاجات العصير والكولا، ويضعها في كيسٍ على ظهره، وحين رأى بقايا سندويش أمام أحد المحلات، نظر حوله، ولم يلحظ قدومي، فمسح بقايا السندويش بردنه، وبدأ يقضمها) ص64.

الروائي عمر الحمود

هذا الفقد، ومصاحبة الخوف له جعل الكثيرين يهجرون المدينة بطريقٍ شرعي، أو طريقٍ مخالف، وخاصة فئة الكفاءات والأيدي الشابة العاملة: (مَنْ يشهد طوابير الازدحام أمام الهجرة والجوازات يظنّ أنّ كلّ سوري ينوي الهجرة في أسرع وقتٍ ممكن، بعد يأسٍ أقنعه أنّ الأحوال لن تتحسّن في المستقبل) ص34.

هذا عن الهجرة بطريقٍ شرعي، أمّا عن الهجرة بطرقٍ ملتوية فحدّثْ، ولا حرج: (سيارات أجرة تنقل شباباً وعائلات من الرّقة، وبالتوافق مع عناصر الحواجز إلى لبنان، وتوزعهم عمالاً مياومين في مزارع الخضار، والفواكه، والمنشآت المدنية في لبنان، وبأجورٍ أدنى من تلك التي يحصل عليها أقرانهم اللبنانيين) ص51.

3ــ الفقد للجو الأمني المريح الذي يحفظ أرواح الناس، وممتلكاتهم، وأعراضهم، فالرّقة تحوّلتْ من ثغرٍ مدافعٍ عن الدولة العربية كما جاء في العتبة السردية إلى ساحة حربٍ وصراعاتٍ لفصائل متعددة، و أضحت كما تصفُها الرواية (المدينة أنموذجاً لفوضى وخراب، تدور في سورية مصحوبة بدمٍ مهدور) ص139.

وما خطف بطل الرواية أحمد إلا حادثة واحدة من حوادث متشابهة، يصعب حصرها في ظلّ غياب التوثيق الدقيق.

هذا الفقد الأمني حلّ محلّه سعير حربٍ جعلت الرقة تتصدّر نشرات الأخبار العالمية، ولكن ليس كما عُرِفَتْ بالخير في زمنٍ مضى، بل تصدرتها كمدينةٍ ترضخ تحت الظلام والنار: (صارت الخبر الأول في نشرات أخبار العالم، وسمع بها سحرة القبائل في أدغال أفريقيا، وطلبة الجامعات في أمريكا، وعرف موقعها أرباب العطور في باريس) ص147.

 4ــ الفقد للعلاقات الاجتماعية المألوفة، فمدينة الرّقة لم تعد المدينة التي كانت قبل الحرب، وبنسيجها الاجتماعي الجميل، تخلخلت علاقات اجتماعية فيها، وتبدّلت الأدوار المجتمعية، فالزوجة صارت معيلة، والطفل مسؤولاً عن البيت، وغيّرت من المفاهيم والأعراف، وتفككت أسرٌ فيها، وتوزعّ أبناؤها على مختلف بلدان العالم، ووفدتْ إليها نزعات جديدة، أثّرت على علاقات الجوار، والأخوة، وقضية الانتماء، والارتباط بالمكان، وغادرها معظم أهلها بنزوحٍ قسري، ولجوءٍ، وموتٍ واعتقالات: (لو نظرت الرّقةُ اليوم إلى وجهها في المرآة لأنكرته دامعة، فندبات الحرب شوّهته، باتت مدينة لاتشبه نفسها، وضيّعت تفاصيلها الجميلة، وتخشى على ملامح هويتها العربية) ص67.

ففي الرواية نجد المدينة تفقد وجهها، والأم تفقد ولدها، والابن يفقد أباه، والزوجة تفقد زوجها، والطفل يفقد أترابه، والحبيبة تفقد حبيبها. وهذا الفقد من أقسى أنواع الفقد لأنّه فقدٌ لا يعوّض.

ولقساوة الواقع يلوذ الإنسان فيها بالذكريات، أو استحضار مشاهد حميمية من الذاكرة: (أرى شقيقي حسن زاهداً عن الدنيا، يبحث عن دافئ الذكريات، يعاين صوراً تجمعني به، وثالثتنا الطفولة) ص124.

وينتظر بمرارة عودة الغائبين عند المساءات، ولا يعرف اليأس طريقاً إليهم، وإنْ لم يعودوا يناجون صورهم المعلّقة على الجدران، وفي صدور الدور!

كلّ ما كان للرّقة فخراً صار فقداً، ولم تقف الحرب عند هذا الحدّ، بل سرقت أيام الفرح منها، وحتى يوم العيد لم يزرع ظلّ بسمة على وجوههم، ولسان حالهم يقول: عذراً يا عيد، لا وقت لدينا للفرح، عُدْ إلينا في عام قادم …

وأعطت الذاكرة نصيبها الكبير من القهر مثلما أعطت الإنسان هذا النصيب .

والفقد له نتائج خطيرة على الفرد والمجتمع، فهو يترك الشعور بانهيار الأمان، وبعدم الاستقرار، ويؤجج الحزن، والصدمات النفسية كما حدث لأم أحمد في الرواية: (انقلب البيت إلى مأتم حزنٍ وبكاء، وفقد، ونزل الأمر على والدتي مفاجئاً موجعاً كضربة غدر، وفقدتْ وعيها) ص136.

ويترك الخوف يشتعل من المستقبل المجهول: (بتّ أرى في كلّ عابر سبيلٍ قاتلاً يترصّدني) ص28.

الرواية تستحق القراءة والتأمّل، وعدسة كاتبها التقطت لقطات مرعبة للرقة إلا أنّه بين ذاك الرعب هناك دائماً ثمّة مكان للحب والورد والمطر، إنّها مرثية للرقة التي رسمتها الحرب بألوان الدم والخراب، والفقد، والوجع، لكي نظلّ نتذكّر فداحة الحرب ولؤمها، ونسعى للمحبّة والتسامح، ونبني السلام سويّة.

*رواية ذاكرة مقهورة للكاتب عمر الحمود من إصدارات دار توتول للطباعة والنشر والتوزيع ــ دمشق 2026. 

كاتب سوري

Exit mobile version