Site icon مجلة المزمار العربي

“الفن للجميع”.. مدارس متعدّدة تلتقي في فضاء واحد

اللوحة ذاكرة ومساحة للحرية

عبد الكريم البليخ

في زمن تتكاثر فيه الصور وتضيق فيه، مساحة التأمل، تأتي المعارض التشكيلية لتعيد إلى العين شيئاً من بطئها، وإلى الإنسان شيئاً من قدرته على الإنصات لما تقوله الألوان خارج صخب الحياة اليومية.

ومن هذا المعنى يمكن الاقتراب من معرض «الفن للجميع» الذي أقامه نادي «الفن لأجل الحرية»، في فيينا جامعاً تجارب ومدارس وأساليب متعددة في فضاء واحد، من الواقعية والتعبيرية إلى التجريد، من دون أن يفرض على المتلقي رؤية واحدة أو طريقاً وحيداً لفهم العمل الفني.

الاختلاف يصنع الجمال

قيمة المعرض لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو تنوع تقنياتهم، بل في قدرته على تقديم الاختلاف بوصفه عنصر ثراء لا سبباً للتنافر. فاللوحات، على تفاوت لغاتها البصرية، بدت وكأنها تدخل في حوار خفي حول الإنسان: وحدته، ذاكرته، خوفه، علاقته بالمكان، وقدرته الدائمة على البحث عن معنى وسط عالم كثير الاضطراب.

يكتسب عنوان «الفن للجميع» دلالته الأبعد. فالفن لا يعود ملكاً لمدرسة، ولا حكراً على ذائقة بعينها، ولا خطاباً مغلقاً يحتاج إلى مفاتيح نخبوية للدخول إليه، بل يصبح فضاءً مفتوحاً تتجاور فيه الرؤى، ويحتفظ فيه كل فنان بحقه في أن يرى العالم من زاويته، كما يحتفظ المتلقي بحقه في أن يقرأ اللوحة وفق تجربته وذاكرته الخاصة.

هذا التنوع يظهر بوضوح في الأعمال التي تستحضر المرأة والهوية والذاكرة. ففي إحدى اللوحات تحضر امرأتان بملامح شرقية وملابس تقليدية، فيما يهيمن الأحمر بدرجاته المختلفة على المشهد. لا يعمل اللون هنا بوصفه زينة بصرية، بل يتحول إلى حامل للعاطفة والحنين وربما الألم. تتقدم إحدى المرأتين بنظرة منخفضة ويدين قريبتين من الصدر، بينما تقف الأخرى خلفها بثبات، لتنشأ بينهما علاقة تحتمل أكثر من قراءة: جيلان، أم وذاكرة، حاضر وماضٍ لا يريد الانفصال عنه.

وفي لوحة أخرى تكاد الألوان تنسحب لمصلحة الأسود والرمادي والأبيض، وتظهر امرأة من الخلف، أدارت رأسها قليلاً فيما يحيط بها القماش. غياب الوجه الكامل ليس نقصاً في السرد، بل هو جوهره. فالمرأة لا تمنح المتلقي جواباً، وإنما تستدرجه إلى السؤال: هل نحن أمام انتظار، أم وحدة، أم قطيعة، أم محاولة للاختباء من نظرة الآخرين؟ هكذا تتحول المساحة الصامتة في اللوحة إلى كلام غير منطوق.

وتتكرر ثيمة الهوية في عمل يقوم على وجه نسائي منقسم بصرياً بين الأخضر من جهة، والأسود والرمادي من جهة أخرى، بينما تبقى العينان الأكثر حضوراً. وكأن الفنان يقول إن الوجوه قد تخفي بعض حقائقها، لكن العين تظل عصية على الأقنعة. الخطوط الخشنة التي تعبر أحد جانبي الوجه تجعل العمل أقرب إلى مواجهة بين الظاهر والباطن، بين ما نعرضه للعالم وما نحمله في الداخل.

أما التجريد، فيحضر بوصفه المساحة الأكثر تحرراً من الحكاية المباشرة. كتل الأحمر والأسود والذهبي والرمادي تتقاطع بعنف، والخطوط تدور وتنقضّ ثم تنسحب، بحيث يمكن للمتلقي أن يرى جناحاً، أو جرحاً، أو قلباً يتشظى، أو كائناً يحاول النهوض من رماده. وهنا تكمن قوة التجريد: أنه لا يقدم معنى جاهزاً، بل يحمّل المتلقي جزءاً من مسؤولية التأويل.

ألوان تقاوم الغياب

في إحدى اللوحات تبدو المدينة أقرب إلى كتلة نفسية منها إلى فضاء معماري. تتدرج الألوان من البرتقالي والأصفر الترابي إلى الأحمر الكثيف، ثم تهبط إلى مساحات داكنة من الأسود والبنفسجي. البيوت والجدران والنوافذ ليست هنا وصفاً لمدينة، بل شظايا مكان أصابه ما أصاب ساكنيه.

وتظهر في المساحات المعتمة فتحات تشبه نوافذ مطفأة، بينما تقترب بعض الظلال في الأسفل من هيئة أجساد بشرية فقدت تفاصيلها. بهذا المعنى، لا يعود المكان خلفية للإنسان، بل شريكاً له في الجرح. أما خشونة السطح وتراكم اللون وآثار الكشط، فتمنح اللوحة بعداً مادياً يجعل الألم محسوساً في بنية العمل نفسه.

وفي لوحة أخرى يشتبك الأحمر مع الأسود فوق مساحة بيضاء واسعة. يبدو الأحمر مندفعاً، سائلاً، قريباً من صورة الجرح، فيما تتشكل دوامات وخطوط متلاحقة توحي بذاكرة لا تستقر. وينساب بعضها نحو الأسفل كأنها آثار دم أو دموع، فيما يبقى البياض المحيط مفتوحاً على تأويلين متناقضين: الصمت أو النجاة.

وفي عمل أكثر اقتراباً من الحكاية، يتصدر المشهد رجل بملامح قاسية حفرتها الحياة، بينما يجلس شخص آخر في الخلف مولياً ظهره للمتلقي. وبين الاثنين يقوم حوار لا يحتاج إلى كلمات؛ الأول يواجهنا، والثاني ينظر بعيداً. وتظهر السمكة في أسفل اللوحة بوصفها إشارة محتملة إلى الماء والرزق والعمل والحياة اليومية. أما الألوان غير الواقعية على وجه الرجل، من الأحمر والبرتقالي إلى الأزرق والأصفر، فلا تهدف إلى وصف ملامحه بقدر ما تحاول كشف ما ترسب خلفها من تعب وتجربة.

هذه الأعمال، إلى جانب بقية اللوحات، تكشف أن المعرض ليس احتفالاً شكلياً بالتنوع، بل محاولة لوضع الفن في مواجهة الأسئلة التي يعيشها الإنسان المعاصر. فالمرأة ليست موضوعاً زخرفياً، والمدينة ليست مشهداً خلفياً، واللون ليس مساحة تجميل، بل أدوات لفتح ملفات أعمق تتصل بالهوية والغياب والاقتلاع والذاكرة والبحث عن الحرية.

ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة جمعية «الفن لأجل الحرية» بشيء من المسؤولية النقدية أيضاً. فرفع شعار الحرية في الفن لا يكتمل بمجرد جمع مدارس وتجارب مختلفة تحت سقف واحد، وإنما يتطلب توفير مساحة حقيقية للاختلاف، ورفض الوصاية على الذائقة، وعدم تحويل المعرض إلى مناسبة اجتماعية عابرة تُقاس بقوائم الحضور والصور التذكارية، بقدر ما تُقاس بقيمة ما تطرحه الأعمال من أسئلة وما تتركه من أثر فني وإنساني.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال الجهد الكبير الذي يبذله القائمون على الجمعية منذ تأسيسها، انطلاقاً من هدف واضح يتمثل في خدمة الفن التشكيلي وترسيخ حضوره، بعيداً عن أي مكاسب مادية أو اعتبارات تجارية. وقد حرصت الجمعية خلال مسيرتها على تنظيم عدد من المعارض الفنية التي شارك فيها فنانون معروفون وأصحاب تجارب متميزة، إلى جانب إقامة أمسيات ثقافية ومحاضرات وندوات فنية قيّمة تناولت قضايا الفن التشكيلي وأسئلته وتحولاته.

وهذا النشاط المتواصل يمنح تجربة الجمعية بعداً يتجاوز إقامة المعارض إلى بناء فضاء ثقافي وفني قادر على جمع الفنانين والمتلقين، وتشجيع الحوار حول الفن ودوره، بما ينسجم مع الغاية التي تأسست الجمعية من أجلها: خدمة الفن، وتوسيع دائرة الاهتمام به، وجعله أقرب إلى الناس.

اللوحة تهزم الصمت

الفن الذي يستحق اسمه هو ذلك القادر على زعزعة السكون، وطرح الأسئلة التي نتجنبها، ومنح المهمّشين مساحة للحضور، واستدعاء الذاكرة حين يراد لها أن تُمحى أو تُدفع إلى الهامش. فالفن الحقيقي لا يكتفي بأن يكون جميلاً أو لافتاً للعين، بل يسعى إلى أن يترك أثراً في الوعي، وأن يدفع المتلقي إلى إعادة النظر في الإنسان والمكان والذاكرة من زاوية مختلفة.

وحين تتحقق هذه الوظيفة، لا تبقى اللوحة مجرد مساحة من القماش واللون، ولا تتحول إلى قطعة زينة معلقة على الجدار، بل تصبح شهادة إنسانية تحمل آثار زمنها، وتقاوم النسيان والقولبة والصمت. وقد يكون اللون في بعض الأعمال أبلغ من الكلام، وقد تصبح ضربة فرشاة واحدة قادرة على التعبير عن وجع لا تحتمله اللغة، أو عن ذاكرة ظلت تبحث عن نافذة للظهور.

وبهذا المعنى، فإن معرض «الفن للجميع» يقدم أكثر من مجموعة أعمال متجاورة داخل صالة عرض متواضعة مستأجرة من قبل جمعية “الفن لأجل الحرية”؛ التي تقيم بين فترة وأخرى معارضها الفنية، ناهيك باستدعاء فنانين كبار لهم اسمهم في الساحة الفنية للمشاركة فيها، وهذا ما يفتح مساحة للحوار بين التجارب والثقافات والرؤى، ويمنح المتلقي فرصة للدخول إلى عوالم متعددة من دون أن يفرض عليه تفسيراً واحداً.

هنا تتحول الحرية من شعار إلى ممارسة بصرية حقيقية: حرية الفنان في أن يقول ما يريد بلغته الخاصة، وحرية المتلقي في أن يرى ويشعر ويفسّر، وحرية اللوحة نفسها في أن تبقى مفتوحة على أكثر من قراءة. وهنا تحديداً تكمن قوة الفن؛ في قدرته على كسر الصمت، ومقاومة النسيان، وإبقاء السؤال الإنساني حياً.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version