هيثم حسين
لا تتوقف السير الذاتية عند حدود الذات الكاتبة، بل تشمل أيضاً حقبات تاريخية وأماكن وأحداثاً مشتركة خاضتها الذات مع محيطها، فتصبح بذلك هذه الذات نافذة على الإنسان والتاريخ والأفكار وهلم جراً، وهكذا يمكننا قراءة سيرة الكاتب السوري ممدوح عزام.
يفتحُ الروائيّ السوريّ ممدوح عزام في كتابه السيريّ “من الشمال حتى الجنوب” باباً على عالم تشكّل ببطء، ونضج مع الأعوام، حتى غدت تفاصيله جزءاً من نسيج الكتابة ذاتها.
تتوالى الصفحات حاملةً الأب، والبيت، والأشجار، وقرية تعارة، والمكتبة، عبر سرد يضيء حياة كاملة أكثر مما يستعيد ذكرياتها، فيكتشف القارئ أنه يمضي في صحبة كاتب يكشف، بهدوء وثقة، المنابع الأولى التي غذّت تجربته الإبداعية، ومنحت أعماله ذلك الحضور الإنساني المؤثّر.
الأب والمكان
يستعير ممدوح عزام عنوان كتابه، الصادر مؤخراً عن دارَيْ سرد وممدوح عدوان، من مقطع شعريّ لبابلو نيرودا في “النشيد الشامل”، كأنه يضع منذ العتبة الأولى مفتاح القراءة بين يدي القارئ. فالرحلة التي يوحي بها العنوان بين الشمال والجنوب تستدعي تاريخاً من العنف والاقتلاع، قبل أن يعيد الكاتب ملء هذه العبارة بحكايات البيت، والأب، والقرية، والكتب، ثم بما شهدته السويداء لاحقاً من مآسٍ جعلت الاقتباس يبدو أقرب إلى تجربة مؤلمة منها إلى إحالة شعرية.
يستهلّ صاحب “قصر المطر” كتابه بحلم القتل، ذلك الكابوس الذي يرافقه كل ليلة، ثم يعبر معه إلى اليقظة، فيغدو جزءاً من تفاصيل يومه، ويقيم في ذهنه كما يقيم البيت في الذاكرة. تتكرر المشاهد حتى تبدو مألوفة؛ الجنود يقتحمون المكان، والبيت تلتهمه النار، والمكتبة تتهاوى، والأشجار التي رافقته طوال عمره تقف في مواجهة المصير ذاته. ومن هذا المشهد المعلّق بين النوم والصباح، يبدأ الكاتب رحلته نحو البيت، كأن العودة إلى التفاصيل تمثل طريقته في حماية ما يحب.
يفتح عزام الأبواب واحدا تلو الآخر، ويستعيد الأب، والأشجار، والمكتبة، والقرية، والأيام التي تراكمت بهدوء، فيتكوّن أمام القارئ عالم كامل، يحمل حرارة الحياة، ويزداد رسوخاً مع كل صفحة، حتى يصبح الفقد أكثر قسوة، لأن القارئ يكون قد عاش مع هذا العالم، وتعرّف إلى ناسه، وشاركهم إيقاع حياتهم، قبل أن تمتد إليه النار.
من الشمال حتى الجنوب
من بين الوجوه التي يفيض بها الكتاب، يظل الأب الأكثر حضوراً. حضوره يأتي هادئاً، متدرجاً، بعيداً عن أي محاولة لصناعة بطولة أو تقديم نموذج مثالي. إنه الأب الذي عرف قيمة الحكاية، وأدرك أن الإصغاء جزء من التربية، وأن الشجرة تحتاج إلى صبر يشبه صبر الإنسان على الأيام.
وحين يروي ممدوح عزام قصة الزيتونة التي انتقلت من عفرين إلى تعارة، فإن الحكاية تفتح باباً واسعاً أمام معنى الانتماء؛ فالأشجار، مثل البشر، تحمل شيئاً من الأماكن التي جاءت منها، ثم تمنح المكان الجديد جزءاً من روحها. ولهذا تغدو تلك الزيتونة أكثر من شجرة زرعت في حديقة البيت، وتصبح شاهدة على تاريخ أسرة، وعلى انتقال الذاكرة من جيل إلى آخر.
يكتشف قارئ أعمال ممدوح عزام الروائية أنّ كثيراً من الشخصيات التي عرفها في رواياته بدت، في ضوء هذا الكتاب، أكثر وضوحاً. الأمكنة التي ظهرت هناك اكتسبت هنا جذورها الأولى، والوجوه التي مرت في الروايات بدت امتداداً لوجوه عرفها الكاتب في حياته اليومية. شعرت أن “من الشمال حتى الجنوب” يمنح قارئ ممدوح عزام فرصة نادرة ليرى المنبع الذي خرجت منه تلك العوالم الروائية، وأن يكتشف كيف تتحول الحياة اليومية، مع الزمن، إلى مادة فنية قادرة على البقاء.
تعارة، في هذا الكتاب، تتحول إلى شخصية كاملة. القرية تعيش بإيقاعها الخاص؛ ببيوتها المتقاربة، وحقولها، وطرقاتها، وعلاقات أهلها التي صاغتها الأعوام. الكاتب لا يتعامل معها بوصفها نموذجاً مثالياً، وإنما يتركها تتحدث بطبيعتها، فيتعرف القارئ إلى مجتمع تشكل عبر التراكم، وعرف كيف ينظم حياته من خلال الأعراف والعلاقات الإنسانية، وكيف يحفظ توازنه في أزمنة كثيرة. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح المكان صدقه، وتجعل القارئ يشعر أنه يسير في طرقات القرية، ويجلس في مجالس أهلها، ويشاركهم إيقاع حياتهم من غير أن يغادر مقعده.
ولعل أكثر ما استوقفني أن ممدوح عزام يكتب هذه التفاصيل برغبة واضحة في حفظ عالم كامل من التبدّد، عالم يعرف الكاتب أنه يستحق أن يُروى، لأن قيمة الأمكنة عنده تُقاس بما تتركه في أرواح الذين عاشوا فيها. ومن هذه الزاوية، يغدو الكتاب أقرب إلى محاولة لاستعادة زمن كامل، بكل ما حمله من أصوات وروائح وصور وعلاقات، قبل أن تتدخل التحولات العاصفة في مصائر البشر والأمكنة.
إذا كانت تعارة تمثل القلب النابض لهذا الكتاب، فإن المكتبة تمثل ذاكرته. منذ الصفحات التي يقترب فيها ممدوح عزام من كتبه، يشعر القارئ أنه لا يتحدث عن مقتنيات جمعها على امتداد العمر، وإنما عن سيرة أخرى كُتبت على رفوف الخشب. كل كتاب دخل تلك المكتبة ارتبط بمرحلة، أو بصديق، أو بمدينة، أو برحلة، أو بحلم قديم. الإهداءات التي خطها أصحابها على الصفحات الأولى، والرسائل التي استقرت بين الكتب، والمخطوطات التي انتظرت دورها، والمراجع التي رافقت ولادة الروايات، كلها تشكل طبقات متراكمة من حياة الكاتب، حتى تغدو المكتبة صورة أخرى لصاحبها.
الكتب والكتابة
يكشف ممدوح عزام عن علاقة تبدو أكثر هدوءاً وأعمق جذوراً بالكتب، فالقراءة عنده عادة يومية، والكتاب يدخل الحياة كما يدخل صديق قديم، من دون ضجيج. وربما لهذا السبب تترك الصفحات التي يكتبها عن مكتبته أثراً خاصاً؛ لأنها تضع القارئ أمام عمر كامل تشكل بين القراءة والكتابة، وتكشف أن كل رواية ينجزها الكاتب تحمل، في مكان ما، أثراً لكتب كثيرة سبقتها.
الرحلة التي يوحي بها تمتدّ بين الشمال والجنوب، لكنّ الرحلة الأعمق تجري داخل الذاكرة نفسها. الإنسان يمضي في حياته وهو يظن أن البيوت تحمي ذكرياته، ثم تأتي لحظة يكتشف فيها أن الذكريات هي التي كانت تحمي البيوت من الغياب. وما إن تستقر في الكتابة حتى تكتسب قدرة مختلفة على البقاء، لأن الكلمات تحمل ما تعجز الجدران عن حمله حين تداهمها الحرائق.
وفي الصفحات الأخيرة يتسع أفق الكتاب من البيت إلى القرية، ومن القرية إلى سوريا التي ظلّت حاضرة في وجدان ممدوح عزام، بأهلها الذين أحبّهم، وبقيمها التي نشأ عليها. ثم تأتي الجملة التي تبقى معلقة في الذاكرة: “في المقدمة تمهّد الكتب للآتي. وفي الوسط تحاول أن تشرح أسباب الخوف والحب والحرب. في الخاتمة تأكلها النار”.
وبعد احتراق تعارة مع عشرات القرى الدرزية في السويداء، حملت هذه الكلمات وقعا أشد عمقا، وبدا الكتاب كأنه يواصل كتابة فصوله مع كل حريق جديد، بينما تواصل الكتابة حمل البيت والقرية وأهلهما إلى ذاكرة تتسع للحياة أكثر مما تتسع لها الجدران.
لعلّ السؤال الأبرز الذي يتبادر إلى ذهن قارئ هذا الكتاب هو: ماذا يبقى للإنسان حين تتصدع الأمكنة التي أحبّها؟ ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة ممدوح عزام أوسع من حدود كتاب واحد، فهي تذكر بأن الأدب، في جوهره، فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة دائمة لإنقاذ ما يستحق أن يبقى في الذاكرة. وحين يكتب عن والده، أو عن زيتونة جاءت من عفرين، أو عن مكتبة رافقته عقودا، أو عن قرية صنعت ملامحه الأولى، فإنه يمنح تلك التفاصيل حياة جديدة، ويودعها في مكان يصعب على الزمن أن ينتزعها منه.
كاتب سوري

