بصراحة .. الكتابة فعل نجاة

هل يُمكن أن نطرح على الكاتب سؤالاً بسيطاً في ظاهره، معقّداً في جوهره: لماذا تكتب؟
سؤال يبدو مألوفاً من فرط ما طُرح وأُعيد، حتى خُيّل إلينا أنه فقد دهشته الأولى. ومع ذلك، فإنّ كل محاولة للإجابة عليه تفتح نوافذ جديدة على عوالم الذات والروح والفكر. فبعض الأجوبة التي قالها كتّاب كبار بدت كأنها مزيج من التأنّق الثقافي والمراوغة الذهنية، بينما جاءت أخرى عميقة، صادقة، تضيء شيئاً من سرّ العلاقة بين الكاتب ونصّه، بين الإنسان وظلّه الذي يكتبه.
إنّ سؤال «لماذا نكتب؟» ليس مجرد تساؤل عن مهنة أو هواية، بل هو سؤال وجودٍ وهويةٍ وانتماء. سؤالٌ يواجه الكاتبَ كلّما واجه نفسه، إذ يدرك أن الكتابة ليست فعلاً عرضياً، بل ضرورة داخلية، استجابة لنداءٍ خفيٍّ يسكن أعماقه. إنها محاولة لتفسير العالم، أو ربما لترويض فوضاه، أو لملء فراغٍ لا يُحتمل بالصوت واللغة والحلم.
الكتابة بهذا المعنى ليست قراراً، بل قدرٌ يتسرّب إلى الوعي مثل نهرٍ هادئٍ لا يمكن رده. هي استجابة لجرحٍ قديم، أو حنينٍ غامضٍ إلى ما لم يكن. لذلك يبدو الكاتب وهو أمام أوراقه ـ أو شاشته اليوم ـ كمن يمارس وجوده الحقيقي. يكتب كما يتنفّس، كأن الكتابة فعلُ حياةٍ مضاعفة، أو شكلٌ من أشكال النجاة من الغرق في صمت العالم.
ولعلّ محمود درويش كان صادقاً حين وصف الكتابة بأنها «فعل عبثي»، ثم تساءل: «ما معنى أن تجلس إلى أوراق بيض وتكتب؟» لكنه، وإن سمّاها عبثاً، أدرك في الوقت نفسه أنها العبث الوحيد القادر على إنقاذ الإنسان من العدم.
ومع أنّ الكتابة تبدو في ظاهرها عملاً خلاقاً، فإنها تستند في جوهرها إلى القراءة، تلك الينبوع الأول لكل إبداع. القراءة هي الشرارة التي تُنير الوعي، وتُخصب الخيال، وتمنح الكاتب لغته وسلاحه وجرأته. فمن لم يقرأ كثيراً لا يمكنه أن يكتب بصدقٍ وعمق، لأن الكتابة ليست تجميع كلمات، بل إعادة خلقٍ للحياة بلغةٍ جديدة.
القراءة فعلُ حبٍّ صامت، لكنها أيضاً تمرينٌ على الفهم والتأمّل والمساءلة. وكلما ازداد القارئ نَهَماً، ازدادت قدرته على اختراق أسرار النصوص، حتى يبلغ مرحلةً يصبح فيها شريكاً في الخلق، كاتباً محتملاً يولد من رحم القراءة. لذلك فإنّ كل كاتب حقيقي هو قارئٌ قديم، وكل قارئٍ عظيم يحمل في داخله كاتباً ينتظر لحظته.
لكن الخطر اليوم أن الكتابة باتت سهلة المنال، بينما صعوبتها الحقيقية في الصدق والوعي والعمق. إنّ استسهال الكتابة مضرّ ومُبتذل، لأنها تفقد معناها حين تتحوّل إلى تكرارٍ أو زينة لغويةٍ خاوية. فالكتابة ليست مهنة لتمضية الوقت، بل موقف من العالم، وشهادة على الوجود، وصيغة لمقاومة العدم والصمت.
إنّ الكاتب الحقّ هو من يرى في الكتابة طريقاً للتطهّر والتجلّي، لا وسيلةً للشهرة أو الظهور. يكتب لأنه لا يملك خياراً آخر، لأن اللغة هي بيته الأخير، ولأن الحروف هي الوسيلة الوحيدة لتسكين وجعٍ لا يُرى. قد يقضي ساعاتٍ طويلة أمام الصفحة، يفتّش عن كلمةٍ تُنقذ المعنى، أو جملةٍ تُحرك وجدان القارئ، أو صورةٍ تعيد للحياة بريقها.
هكذا تُصبح الكتابة عملاً وجودياً وجمالياً في آنٍ معاً؛ فيها شغف الاكتشاف، وعذاب الولادة، ومتعة الخلق، وقلق السؤال الذي لا ينتهي. والكاتب، في كل ما يكتب، إنما يسعى لأن يلمس بشراً آخرين، أن يوقظ فيهم إحساساً كان نائماً، أو يذكّرهم بأن الحياة رغم قسوتها تستحق أن تُروى.
ولذلك، تظلّ القراءة والكتابة وجهين لعملةٍ واحدة: الأولى تُغذي الثانية، والثانية تمنح الأولى معناها. ومع كل نصٍّ يُكتب، يولد عالم جديد، ومع كل كتابٍ يُقرأ، يُعاد خلقُ الإنسان من جديد.
رئيس التحرير




