عبد الكريم البليخ
حين يقترب عيد الأم، لا تلوح في مخيّلتي صور الورود الملوّنة ولا صدى الأغاني الاحتفاليّة، بل تتقدّم إلى الواجهة مشاهدُ أخرى، أكثر عُمقاً ووجعاً، مشاهدُ تنتمي إلى طبقات خفيّة من الذاكرة، حيث تُخزَّن التجارب التي لا تُروى بسهولة، وتبقى حيّةً كأنها حدثت للتو. هي صور لا تَبهت، لأن الألم الذي يسكنها لا يشيخ، بل يعيد تشكيل ذاته مع كلّ استدعاء.
أستعيد، قبل كلّ شيء، صورة تلك المرأة العجوز التي التقيتها ذات صباح في حديقةٍ هادئة في كولورادو. كان المكان يومها مغموراً بسكينةٍ شفيفة، كأن الطبيعة قد قرّرت أن تخلع عن العالم صخبه لبرهة، وتترك القلب يلتقط أنفاسه. جلستُ هناك أرتشف هدوءاً نادراً، حتى بدا لي الصمت كائناً حيّاً، ينتظر من يُؤنس وحدته.
في زاويةٍ بعيدة، رأيتها. كانت تجلس كأنها جزء من المشهد، لا طارئة عليه. بين يديها حفنة من الحبوب، تنثرها برفقٍ للعصافير التي كانت تحلّق حولها، وتقترب منها بثقةٍ عجيبة، كأنها تعي معنى هذا العطاء الصامت. لم يكن المشهد مجرّد إطعام طيور، بل بدا لي طقساً إنسانياً خالصاً، احتفالاً خفياً بالحاجة إلى الآخر، ولو كان هذا الآخر جناحاً صغيراً يخفق في الهواء.
اقتربتُ منها، وقد شدّني حضورها الهادئ. ابتسمت لي، ومدّت يدها بحفنة من الحب، كأنها تدعوني إلى طقسها الخاص. قالت وهي تراقب الطيور:
“إنها تعرفني… تنتظرني كل صباح”.
كان في صوتها يقينٌ لا يُجادَل، يقينٌ لا ينبع من عقلٍ بقدر ما يتدفّق من قلبٍ جرّب الخذلان. سألتها عن أبنائها، متردداً، كأنني أخشى أن ألمس جرحاً مفتوحاً. فجاء جوابها بطيئاً، كأن الكلمات تُنتزع من أعماق بعيدة:
“لي ثلاثة… لكنني لم أرهم منذ سنوات. هم قريبون… في المدينة… لكن لكلٍّ منهم حياته”.
صمتت قليلاً، ثم أضافت، بنبرةٍ خفيفةٍ لا تخلو من مرارةٍ شفّافة:
“العصافير أجمل… لا تتأخر، ولا تنسى”.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الوحدة لا تُقاس بغياب الناس، بل بغياب الحضور الحقيقي، ذلك الذي يمنح الروح شعوراً بأنها مرئية، مُعتبرة، ومحبوبة.
بعد أعوام، وفي مدينةٍ أخرى، وجدتُ نفسي أمام صورةٍ مشابهة، لكن بملامح مختلفة. في فجرٍ بارد في برلين، دخلتُ مطعم الفندق أبحث عن فطورٍ سريع، فاستقبلتني حركة خافتة لخادماتٍ يُنظفن المكان. كانت وجوههن تحمل آثار سنواتٍ طويلة من العمل، لكن إحداهن لفتت انتباهي بشكلٍ خاص؛ كانت قد تجاوزت السبعين، ومع ذلك لا تزال تقف بثباتٍ أمام قسوة الحياة.
سألتها، بدافع الفضول، عمّا يدفعها للعمل في هذا العمر. تنهدت وقالت:
“أعيش وحدي… وأعتمد على نفسي”.
ثم، وكأنها شعرت بأن الصمت قد يُساء فهمه، أضافت:
“لي أبناء… يعيشون هنا… لكنهم مشغولون”.
لم يكن في صوتها اتهام، بل نوع من التبرير، كأنها تحاول أن تحمي صورة أبنائها حتى وهي تُقصي نفسها من حياتهم. ثم نظرت إليّ وقالت:
“أنتم… كنتم تُقدّرون الأم أكثر”.
كانت جملة بسيطة، لكنها كانت كافية لتفتح باباً واسعاً من الأسئلة: هل تغيّر العالم، أم تغيّرت علاقتنا بالمعنى ذاته للأمومة؟
وفي فيينا، التقيتُ امرأةً أخرى، مثقفة، قوية في ظاهرها، تخوض نقاشاً حاداً عن أوضاع المرأة. وحين تطرّق الحديث إلى مكانة الأم، بدا لي أن ثمّة مسافة بين الخطاب والواقع. قالت بهدوء:
“ابني يُحبني… يرسل لي بطاقة كل عام”.
سألتها: “وهل يزورك؟”
قالت: “نعم… زارني قبل عامين”.
وحين علمتُ أنَّه يسكن في الحي ذاته، أدركتُ أن القرب الجغرافي لا يعني شيئاً أمام بُعدٍ وجدانيٍّ لا يُقاس بالأمتار.
تتكرّر الصور، وتتبدّل الأمكنة، لكن الشعور واحد: أمّهاتٌ يعشن على هامش حياة أبنائهن، كأن دورهن انتهى بانتهاء الحاجة المباشرة إليهن. وكأن الأمومة، التي كانت يوماً ملاذاً، تحوّلت في بعض السياقات إلى ذكرى مؤجّلة، تُستدعى في المناسبات ثم تُطوى.
ومن هنا، ربما وُلدت فكرة تخصيص يومٍ للأم، محاولةً متأخرة لردّ شيءٍ من الجميل، أو لتهدئة ضميرٍ مُثقل. لكن السؤال يبقى: هل يمكن لعيدٍ واحد أن يُرمّم ما تهدّم من جسور؟
الأم لا تحتاج إلى طقوسٍ موسمية، ولا إلى كلماتٍ محفوظة تُقال في يومٍ محدّد. ما تحتاجه بسيط، لكنه عميق: حضورٌ صادق، التفاتة، يدٌ تُمسك بيدها، صوتٌ يقول لها إنها لا تزال في القلب.
لعلّ أقسى ما في الحكاية أن بعض الأمهات، في زوايا بعيدة من هذا العالم، وجدن في العصافير بديلاً عن الأبناء. ليس لأن الطيور أحنّ، بل لأنها لا تُخلف موعداً، ولا تُبرّر الغياب.
وهنا، يصبح السؤال مؤلماً بقدر ما هو صادق:
أيُّ عالمٍ هذا الذي يجعل الأم تبحث عن الوفاء خارج أبنائها؟
كاتب وصحافي سوري

