تشارلز ديكنز عبقري العزلة الخلاقة

الصمت الذي أنجب “أوليفر تويست”
شخصياته تمشي في أحياء لندن كما لو كانت من لحمٍ ودم
خاص ـ المزمار العربي:
كان تشارلز ديكنز، الروائيّ الإنجليزيّ الذي ألهم أجيالاً من الكتّاب والقرّاء، يكتب كما يتنفّس، ويصمت كما يتأمّل. يؤخذ عليه غزارة إنتاجه، وكأنه كان يخشى أن يتوقّف الزمن قبل أن يقول كل ما في صدره من حكاياتٍ عن البؤس الإنساني والرحمة المفقودة. ترك وراءه خمس عشرة رواية، عشر منها تتجاوز التسعمئة صفحة، وعدداً كبيراً من القصص والمقالات والرسائل، حتى بدا وكأنه يسابق الحياة نفسها بالكلمات.
لكنّ ما لم يُدركه كثيرون هو أن هذا الرجل الذي ملأ العالم ضجيجاً بأعماله، لم يكن يحتمل أدنى ضجيجٍ في حياته الخاصة. كان يحتاج إلى صمتٍ مطلق ليكتب، صمتٍ يشبه الفراغ الكونيّ الذي تنبت فيه البذور الأولى للحكاية. ثبت باباً إضافياً في أحد منازله ليمنع الأصوات من التسلل إلى عزلته، ورتّب مكتبه كأنّه محرابٌ لا يُمسّ إلا بخشوع. على مكتبه، كلّ شيء له مكانٌ محدّد، كما لو أن الفوضى قد تقتل الإلهام.

الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز
يستيقظ في السابعة صباحاً، يتناول فطوره في الثامنة، ثم يلج مكتبه في التاسعة ليمارس طقسه اليوميّ المقدّس. لا يخرج منه حتى الثانية بعد الظهر. قد يقتطع من وقته لحظة قصيرة لتناول الغداء مع أسرته، لكنه غالباً ما يفعل ذلك بصمتٍ مهيب، كمن يعيش في عالمٍ آخر لا يشبه موائد الناس. يأكل بسرعةٍ آلية، ثم يعود إلى مكتبه وقد اتّقدت فيه شرارة الخيال. في أيام إلهامه، كان يكتب ما يقارب ألفي كلمة، وربما ضعف ذلك إن اجتاحتْه موجة الخلق. أما في أيام الجفاف، فكان يجلس الساعات الطوال لا يكتب سطراً واحداً، مكتفياً بالتأمل عبر النافذة، أو بالرسم، أو بمراقبة الضوء وهو يتبدّل على الجدران، كأنه في حوارٍ صامت مع الزمن.
وعندما تدق الساعة الثانية بعد الظهر، يغادر مكتبه في جولة مشيٍ تمتدّ لثلاث ساعات. كان المشي بالنسبة له شكلاً آخر من الكتابة؛ إذ تمشي أفكاره معه في أزقة لندن أو بين مسالك الريف الإنجليزي، باحثة عن صورةٍ أو مشهدٍ يكتمل به نصّه القادم. يقول في إحدى رسائله: «إنني أبحث في الشوارع عن الوجوه التي تنام في رواياتي القادمة».
أما لياليه، فكانت أكثر انتظاماً من نهاراته: يتناول العشاء عند السادسة، ثم يقضي الوقت بين أسرته أو أصدقائه، قبل أن يأوي إلى فراشه في منتصف الليل. لم يكن يؤمن بالسهر، فالعقل عنده يحتاج إلى نومٍ صافٍ كي يكتب بوضوح النهار.
تميّزت كتابات ديكنز بقدرةٍ عجيبة على تصوير الواقع في أدقّ تجلياته. لم يكن راوياً يصف المشهد من الخارج، بل شاهداً يعيشه من الداخل. كانت شخصياته تمشي في أحياء لندن كما لو كانت من لحمٍ ودم، تنبض بالجوع والخوف والأمل. في كل روايةٍ له، يتقاطع الأدب مع علم الاجتماع، ويتحوّل الحزن إلى لغةٍ فنيةٍ رفيعة. رسم الطبقات المتعبة والعمال والأطفال المشردين، لا بوصفهم أدواتٍ في سردٍ أخلاقي، بل ككائناتٍ بشرية تفتّش عن كرامتها وسط عالمٍ لا يعترف إلا بالقوة.
لقد أضفى على الأدب طابعاً إصلاحياً دون أن يقع في فخّ الوعظ. فبين سطور رواياته ينبثق نقدٌ حادّ للسلطة والمال والنفاق الاجتماعي، ويعلو صوت المقهورين الذين لا صوت لهم. لم يكن ديكنز يكتب عن الفقراء من علٍ، بل من بينهم، لأنّه كان واحداً منهم ذات يوم.

من بين مؤلفاته الكثيرة التي نالت شهرة واسعة: المنزل الكئيب، مذكرات نيكويك، ديفيد كوبرفيلد، دوريت الصغيرة، أوقات عصيبة، أمال كبرى، قصة مدينتين، وصديقنا المشترك. لكن روايته الأشهر، التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، كانت ولا تزال «أوليفر تويست»، الصادرة عام 1838، والتي كشفت قسوة الحياة في إنجلترا الصناعية حين كان الفقر وصمةً لا جريمة.
تبدأ الرواية بمشهدٍ مفعمٍ بالمأساة: امرأةٌ منهكة تصل إلى إصلاحيةٍ بائسة لتلد طفلها وتموت فوراً. يولد أوليفر تويست بلا اسمٍ ولا عائلةٍ ولا مستقبل. يكبر في مؤسسةٍ تزعم الرحمة وتمارس الإذلال، يتعلّم فيها أن الجوع أقسى من العصا، وأن الكرامة ترفٌ لا يُمنح للفقراء. وحين تجرّأ على طلب المزيد من الطعام، نطق بعبارةٍ أصبحت خالدة في الأدب:
«من فضلك يا سيدي، أريد المزيد!»
تلك الجملة وحدها كانت كافية لإدانته، إذ رأت فيها الإدارة تمرّداً على النظام الإلهي للفقر. فكان العقاب أن يُسلَّم إلى حانوتيٍّ قاسٍ يدعى سوبر بري، ليعمل خادماً بين التوابيت. هناك، بين رائحة الخشب والموت، أدرك الطفل هشاشة الحياة، فهرب في أول فرصةٍ سنحت له، متجهاً نحو لندن التي ظنّها ملاذاً، فإذا بها غابةٌ أخرى من الجوع والخديعة.
في العاصمة، يتلقّفه العجوز فاجن، زعيم عصابةٍ تستغل الأطفال لتعليمهم السرقة. ينضمّ إليهم أوليفر مضطراً لا مختاراً، فالفقر لا يترك للمرء ترف الاختيار. لكنه، رغم كل ما واجهه، ظلّ محتفظاً ببراءةٍ عنيدةٍ ترفض أن تتلوث. في إحدى المحاولات، يُجبر على سرقة رجلٍ نبيل يدعى السيد براونلو، غير أن القدر يتدخل في اللحظة الأخيرة: يُقبض عليه، لكنّ الرجل يشفق عليه من ملامحه البريئة، فيقرّر رعايته. للمرة الأولى، يعرف أوليفر طعم الدفء والسكينة، ويجد في بيت براونلو حنان الأب المفقود والأمان الممنوع.

لكنّ العصابة لا تتركه بسلام. تحاول استعادته خوفاً من انكشاف جرائمها، وفي خضمّ الصراع تنكشف الحقيقة الكبرى: أوليفر ليس طفلاً مجهولاً، بل ابن امرأةٍ من عائلةٍ ثرية نبذها زوجها قبل أن تضعه. يتمكن براونلو من إثبات نسبه وإعادة إرثه إليه، فيتحقق العدل أخيرًا بعد رحلةٍ طويلةٍ من الألم.
كانت «أوليفر تويست» أكثر من رواية؛ كانت صرخةً في وجه المجتمع الذي جعل الفقر عاراً، والأطفال أدواتٍ في ماكينة الجشع. بعيونه الطفولية رسم ديكنز لوحةً للمدينة الصناعية التي حولت البشر إلى ظلالٍ تمشي على الأرصفة، بلا حلمٍ ولا مأوى. عبر شخصياته المتناقضة ـ فاجن الماكر، دودجر الصبي اللص، نانسي التي تموت دفاعاً عن الخير ـ استطاع أن يجعل من الأدب مرآةً للأخلاق وصرخةً في وجه النظام الطبقي.
لقد أدرك ديكنز أن الإصلاح لا يبدأ بالقوانين بل بالعاطفة، وأنّ الفنّ حين يكون صادقاً يوقظ في الناس إنسانيتهم النائمة. لذا، لم تكن أعماله مجرّد تسليةٍ بل كانت فعل مقاومةٍ ضد القسوة.

لم يكتب من برجٍ عاجي، بل من ذاكرةٍ مجروحة. فقد عاش طفولةً قاسية تشبه تلك التي رسمها لأوليفر. حين كان في الثانية عشرة من عمره، زُجّ بوالده في السجن بسبب الديون، واضطر هو إلى العمل في مصنعٍ متّسخ لتلميع الأحذية لقاء أجرٍ زهيد. تلك التجربة حفرت في نفسه شعوراً دائماً بالمرارة، وجعلته يرى في الأدب وسيلةً للإنصاف، لا للترف.
تحوّلت رواياته لاحقاً إلى أفلامٍ ومسلسلاتٍ ناجحة، أبرزها النسخة السينمائية من أوليفر تويست عام 2005، التي أعادت رسم عالمه المظلم المضيء، حيث يتجاور الجمال مع البؤس كما يتجاور النور مع العتمة. لكنّ السينما، رغم براعتها، لم تستطع أن تنقل تلك النغمة الأخلاقية الخافتة التي تسكن نصوصه، ذلك الإحساس المتناقض بالحزن والرجاء، بالهشاشة والقوة في آنٍ واحد.
لقد جعل ديكنز من الحزن فناً، ومن المأساة درساً في الإيمان بالحياة. كان يعرف أن الضحك لا قيمة له إن لم يُسمع بعد البكاء، وأن الرواية ليست مجرّد حكايةٍ بل تجربةٌ للروح. لذلك ظلّ يكتب حتى آخر أنفاسه، يوازن بين الصمت والكتابة كما يوازن بين النوم والحلم.
في التاسع من يونيو عام 1870، سقط ديكنز ضحية نوبةٍ قلبية، عن عمرٍ لم يتجاوز الثامنة والخمسين. رحل كما عاش، بصمتٍ مطلق، تاركاً وراءه ضجيج العالم وقد تغيّر إلى الأبد. لم يكن مجرد كاتبٍ عظيم، بل كان ضميراً إنسانياً نادراً أدرك أن الكلمة يمكن أن تكون خبزاً للفقراء وعدلاً للأبرياء.
بعد أكثر من قرنٍ ونصف، ما زالت شخصياته تمشي بيننا. نسمع صوت أوليفر في أطفال الشوارع، ونرى وجه براونلو في كلّ من يحنو على يتيم. وما زال صمته القديم، ذاك الصمت الذي كان شرط الكتابة، يهمس في أذن الأدب:
إن أعظم الحكايات، تولد من أعمق الصمت.




