توقيع الكتاب تسوّل فاضح!

عبد الكريم البليخ

كثيراً ما نتوقف عند أخبارٍ تتحدّث عن كاتبٍ جديدٍ أو اسمٍ أدبيٍّ صاعد، يقال عنه إنه من “فرسان القلم”، أو “أحصنة الإبداع”، ممن تمكّن من إصدار رواية أو ديوان شعر أو مجموعة قصصية أو دراسة فكرية أو نقدية، في زمنٍ صار الأدب فيه ميداناً مفتوحاً للجميع.
يظهر هذا الكاتب، في المشهد العام مدفوعاً بحماسةٍ طازجةٍ، يُلفت أنظار الأصدقاء والمعارف، فيسعى لأن يُعرّفهم بإنتاجه، وأن يُكرّس لنفسه حضوراً في المشهد الثقافي. حتى هنا لا عيب في الأمر، فلكلّ مبدعٍ الحق في أن يقدّم عمله إلى الناس. غير أن ما يثير التساؤل هو الطريقة التي تُمارس بها هذه الرغبة، حين يتحوّل الإعلان عن الكتاب إلى ما يشبه الاستجداء الأدبيّ المغلّف بعبارات الودّ والتكريم.
في مشهدٍ يتكرّر كثيراً، يهرع الكاتب إلى تنظيم حفل توقيعٍ في مقهى أو قاعة صغيرة، يرسل الدعوات لأصدقائه ومعارفه، يطلب حضورهم وشراء نسخةٍ من كتابه “دعماً” له، لا إعجاباً بالنصّ أو اهتماماً بالفكر. يضع طاولةً أنيقة، يبتسم للكاميرات، ويُخرج قلمه ليوقّع كأنّ التوقيع شهادةُ ميلادٍ جديدة له. غير أنّ خلف هذا البريق البسيط، تختبئ رغبةٌ مؤلمة: استرداد ما خسره من مالٍ وجهدٍ في طباعة الكتاب، ومحاولة تعويض الفشل المسبق في الوصول إلى القرّاء الحقيقيين.
كثيرون من هؤلاء الكتّاب لا يملكون دار نشرٍ تتبنّى أعمالهم، ولا قرّاء ينتظرون كتبهم. لذلك يصبح “التوقيع” وسيلةً لبيع عددٍ محدودٍ من النسخ عبر دائرة الأصدقاء والمجاملات. وهنا تتبدّى المفارقة: الكاتب الذي يُفترض أن يقدّم للعالم فكراً أو جمالاً، يتحوّل إلى بائعٍ يروّج سلعةً خاسرة، ويُمارس ما يشبه “التسوّل الراقي” باسم الثقافة.
من المؤلم أن تتحوّل لحظة الاحتفاء بالإبداع إلى طقسٍ اجتماعيٍّ شكليٍّ، تحكمه الصورة أكثر من المضمون.
فالكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى جمهورٍ مُستدعى ليصفّق له، بل إلى قارئٍ حقيقيٍّ يلتقيه في صمت الصفحة. لا يُقاس النجاح بعدد الحاضرين في الحفل، ولا بعدد الصور المنشورة على مواقع التواصل، بل بما يتركه النصّ من أثرٍ في وعي القارئ ووجدانه.
إنّ حفلات توقيع الكتب في كثيرٍ من الأحيان ليست احتفاءً بالكتابة، بل بالكاتب نفسه، وكأنّ النصّ وسيلةٌ لا غاية. يُقدَّم الكاتب بوصفه نجماً لا مفكراً، وتتحوّل الدعوة إلى حفل توقيع إلى ما يشبه إعلاناً تسويقياً، لا يختلف كثيراً عن ترويج منتجٍ تجاريٍّ جديد.
وهنا تكمن خطورة التحوّل: من فعل الإبداع إلى فعل الترويج، من رسالة الأدب إلى سوق المظاهر.
قد يقول البعض إنّ الكاتب يحتاج إلى دعمٍ وتشجيعٍ مادّي ومعنويٍّ ليستمرّ، وهذا صحيح، لكنّ الفرق شاسعٌ بين الدعم والاستعطاف. فالدعم يكون حين يُقدّر القارئ العمل لأنّه يستحق، أمّا الاستعطاف فحين يُطلب الدعم باسم الصداقة أو الواجب الاجتماعي.
الكاتب الحقيقي لا يطلب شراء كتابه، بل يترك كتابه يُفرض بقيمته، لا بعلاقاته. الكتاب الجيدّ يُشبه البذرة؛ قد لا تنبت سريعاً، لكنها إن كانت صالحة، فستنمو وحدها.
إنّ ما يؤلم في هذا المشهد ليس الفعل بحد ذاته، بل ما يكشفه من أزمة أعمق: أزمة معنى الكتابة في زمنٍ استُبدلت فيه القيمة بالضوضاء، والجوهر بالشكل، والصدق بالاستعراض. صار البعض يكتب ليظهر، لا ليُعبّر، وينشر ليُقال إنه نشر، لا لأنّ لديه ما يقال.
في الماضي، كان الكاتب يُعرف بصمته قبل صوته، وبما يُبدع قبل ما يُعلن. كانت الكتب تصل إلى الناس بلا كاميرات ولا حفلات ولا هتاف. اليوم، صارت “الصورة التذكارية مع الكاتب” أهمّ من النص نفسه، وصار التوقيع غايةً لا تفصيلاً رمزياً.
وهنا، لا بدّ من الاعتراف بأنّ مسؤولية هذه الظاهرة لا تقع على الكتّاب وحدهم، بل على الوسط الثقافي كلّه. حين يغيب النقد الجادّ، ويتراجع دور المؤسسات الثقافية، ويضعف التواصل بين الكاتب والقارئ الحقيقي، يملأ الفراغَ صوتُ الضجيج. ولأنّ المجتمع بات يقدّر الظهور أكثر من القيمة، يجد الكاتب نفسه مضطراً إلى تقمّص صورة “النجم” لا “المفكر”.
لكن رغم كلّ ذلك، يبقى الأمل في أولئك الذين يكتبون في صمتٍ، بعيداً عن الأضواء، لأنهم يؤمنون بأنّ الكتابة فعلُ خلودٍ لا إعلان، وأنّ النصّ الصادق لا يحتاج إلى منبرٍ ليُسمَع. الكاتب الحقيقي هو الذي يكتب لأنّه لا يستطيع إلا أن يكتب، لا لأنّه يريد أن يُصفّق له أحد.
إنّ توقيع الكتاب، حين يُفرغ من معناه، يصبح تسوّلاً أدبياً مؤلماً، لكنه أيضاً مرآةٌ لزمنٍ فقد توازنه بين القيمة والشهرة. ومع ذلك، سيبقى هناك دائماً مَن يكتب لأنّ في الكتابة خلاصه، لا رزقه، ومَن يؤمن بأنّ الكلمة حين تُكتب بصدقٍ لا تحتاج إلى دعوةٍ ولا توقيع، لأنها ستصل وحدها، في صمتٍ، إلى قلبٍ يشبهها.

