عبد الكريم البليخ
لم تكن الثورة السورية، في جوهرها العميق، مجرّد صدامٍ سياسي بين شعبٍ وسلطة، ولا مجرد محاولة لتغيير نظامٍ حكم البلاد لعقود طويلة بقبضةٍ من الخوف والحديد، بل كانت أيضاً انفجاراً مكتوماً في وجه منظومة كاملة من الفساد، والتسلّط، والتصفيق القسري الذي حوّل الإنسان إلى ظلٍّ خائف، لا يملك سوى أن يصفّق أو يصمت أو ينتظر دوره في الإذلال.
ففي سورية، لم يكن الفساد حادثةً عابرة، ولا خطأً إدارياً محدوداً يمكن إصلاحه بقرارٍ أو تعميم، بل تحوّل مع السنوات إلى أسلوب حكم، وإلى شبكةٍ متداخلة من المصالح التي تغلغلت في الوزارات والمؤسسات والإدارات، حتى غدا الكرسي الوظيفي غنيمة، والمنصب باباً للنفوذ والنهب، لا مساحةً لخدمة الناس. وكان كثيرون يصلون إلى مواقعهم لا بالكفاءة ولا بالخبرة، بل بما يدفعونه من أموال، أو بما يقدمونه من ولاءٍ وتصفيق، حتى أصبحت بعض المناصب تُشترى كما تُشترى الصفقات، ويُدار الوطن بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة.
ولعلّ أخطر ما صنعته تلك المرحلة، أنها لم تُفسد الإدارة فقط، بل أفسدت النفوس أيضاً. فالموظف الصغير الذي اعتاد أن يرى الفساد قاعدةً لا استثناء، تعلّم مع الوقت أن الصمت نجاة، وأن التملّق وسيلة صعود، وأن الكرامة قد تصبح عبئاً في بلدٍ تُكافأ فيه الطاعة العمياء أكثر مما تُكافأ النزاهة. وهكذا نشأت طبقة كاملة من المنتفعين الذين أحكموا قبضتهم على المؤسسات، حتى بدا أحياناً أن المسؤول نفسه عاجز عن إزاحتهم، لأنهم صاروا جزءاً من منظومة الحماية والتغطية وتبادل المصالح.
ومن هنا، جاءت الثورة، بالنسبة لكثيرين، بوصفها لحظة كسرٍ لهذا الجمود الطويل، ومحاولة لاقتلاع تلك الطبقة التي استباحت البلاد والعباد. صحيح أن الثورة حملت معها مآسي هائلة، وأنها فتحت أبواب الخراب والتشريد والدمار، ودفع السوريون ثمناً باهظاً من أرواحهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها، أن تلك الثورة كشفت أيضاً حجم العَفن الذي كان مختبئاً خلف الشعارات البراقة، وأسقطت هالة الخوف عن وجوهٍ ظنّت نفسها خالدة فوق الكراسي.
لقد أزاحت الثورة، ولو جزئياً، كثيراً من الوجوه التي احتكرت المؤسسات لسنوات، أولئك الذين لم يعرفوا من الوظيفة سوى الامتيازات والسرقات وتقاسم النفوذ. وكانت المفارقة المؤلمة أن بعض أكثر المدافعين عن النظام، وأكثر المتهمين للناس بالخيانة والتآمر، كانوا أنفسهم أكثر غرقاً في الفساد ونهب المال العام، يرفعون شعارات الوطنية بأفواههم، فيما تمتد أيديهم إلى مقدّرات البلاد دون خوف أو خجل.
وفي المقابل، ظل المواطن العادي هو الضحية الدائمة. المواطن الذي كان مطالباً دائماً بالتصفيق، حتى وهو جائع، وبإظهار الولاء، حتى وهو مسحوق تحت ثقل الحياة. كان مطلوباً منه أن يُبارك القرارات، وأن يهتف للقيادات، وأن يقتنع بأن كل ما يجري لمصلحته، بينما كان يرى بأمّ عينيه بلداً يتهاوى، ومؤسساتٍ تتآكل، ومستقبلاً يُسرق منه كل يوم.
ولعلّ المأساة الأعمق أن ثقافة التصفيق لم تكن مجرد سلوكٍ سياسي، بل تحوّلت إلى حالة اجتماعية ونفسية عامة، أُجبر الناس فيها على ارتداء الأقنعة خوفاً من “البُعبع” الذي كان يراقب الكلمات والهمسات وحتى ملامح الوجوه. ولذلك، لم تكن الثورة بالنسبة لكثيرين مجرد غضبٍ سياسي، بل محاولة لاستعادة الإنسان نفسه، واستعادة حقه في أن يقول “لا” دون خوف.
ومع ذلك، لا تزال الصورة حتى اليوم ضبابية وموجعة. فما زالت بقايا الفساد تتحرك في مفاصل كثيرة، وما زال بعض المستفيدين يعيدون إنتاج أنفسهم بوجوهٍ جديدة، فيما يستمر المواطن بدفع فاتورة الخراب والخذلان. لكن ما لا يمكن إنكاره، أن الثورة ـ رغم كل الدم والوجع والانكسارات ـ كانت أيضاً صرخةً في وجه النهب المنظّم، وصفعةً على وجه التصفيق القسري، ومحاولةً لكسر الصمت الطويل الذي حوّل وطناً كاملاً إلى مسرحٍ للخوف والطاعة والإذلال.
لقد كانت، في أحد وجوهها، ثورةً على الفساد قبل أي شيء آخر… ثورةً على أولئك الذين جعلوا من الوطن مزرعةً خاصة، ومن الناس جمهوراً لا يحق له سوى التصفيق.
كاتب وصحافي سوري

