Site icon مجلة المزمار العربي

جهابذة الكذب الثقافي

عبد الكريم البليخ

أتوقف عند ظاهرة مؤسفة أخذت تتسع في فضائنا الثقافي والاجتماعي، حتى باتت تشوّه معنى الكتابة، وتسيء إلى قيمة الكلمة، وتخلط في نظر الناس بين الموهبة الحقيقية والادعاء الفارغ.

إنها ظاهرة بعض ضعاف النفوس من مدّعي الثقافة، أولئك الذين يظهرون بين حين وآخر بصفاقة لا تَخفى، فينشرون على صفحاتهم الشخصية في “فيسبوك” ما طاب لهم من نصوص وخواطر ومقالات، لا لأنهم كتبوها أو تعبوا في صياغتها، بل لأنهم وجدوا فيها وسيلة سريعة للظهور، ومدخلاً سهلاً إلى تصفيق عابر، وإعجاب لا يقوم دائماً على معرفة أو تمحيص.

أقول في “فيسبوك” تحديداً، لأن هذا الفضاء المفتوح منح كثيرين فرصة جميلة للتعبير، لكنه في الوقت نفسه كشف وجوهاً أخرى تعيش على صناعة الوهم. فهناك من يريد أن يبدو أمام أصدقائه الافتراضيين إنساناً مثقفاً، متابعاً، حريصاً على الكلمة، واسع الاطلاع، بينما الحقيقة خلاف ذلك تماماً.

ما ينشره بعض هؤلاء، في أغلبه، إن لم يكن في عمومه، ليس سوى نصوص مسروقة بصورة أو بأخرى، مأخوذة من تعب الآخرين، ومن عرق أقلامهم، ثم تُعاد صياغتها أو تُنقل كما هي، لتظهر أمام الناس كأنها إنتاج شخصي لصاحب الصفحة.

المؤلم في الأمر أن هؤلاء لا يكتفون بالاقتباس العابر أو الإشارة العابرة، بل يتطاولون على جهد غيرهم بطمأنينة غريبة، كأن السرقة الأدبية صارت حقاً مكتسباً، وكأن النصوص بلا آباء ولا أصحاب. تراهم حاضرين في كل موضوع، ناشطين في كل مناسبة، يكتبون عن الأدب والسياسة والمجتمع والإنسان، وهم في الحقيقة لا يستطيعون، لو تُركوا وحدهم أمام ورقة بيضاء، أن يصوغوا جملة سليمة من خمس كلمات. وإن كتبوا، جاءت كتابتهم خربشات مرتبكة، لا روح فيها ولا معنى، ولا تمت إلى الكتابة بصلة إلا من جهة الحروف المتجاورة على السطر.

هذا المدّعي، رجلاً كان أم امرأة، يعرفُ نفسه جيداً. وليس من غايتي أن أفضح شخصاً بعينه، ولا أن أحوّل المسألة إلى خصومة شخصية، لكنني أتكلم عن نموذج موجود بيننا، في النمسا وفي سوريا وفي غيرهما، بين من يدّعون الصحافة والأدب والثقافة، وبعضهم، للأسف، صدرت له كتب، وما زال يُحدّث الناس عن مخطوطات تنتظر النشر، وعن مشاريع كبرى قادمة، كأن كثرة الادعاء يمكن أن تصنع موهبة، أو كأن الغلاف المطبوع يمنح صاحبه صفة الكاتب.

من غير المعقول أن يستمر هذا الخداع إلى ما لا نهاية. ومن غير المقبول أن يظل بعض الناس يبتسمون في وجه الزيف، ويمنحونه التصفيق والمباركة، وهم يدركون في قرارة أنفسهم أن من يحتفون به لا يملك أدوات الكتابة، ولا يعرف من أبجدياتها إلا شكل الحروف.

 إنَّ المشكلة لا تقف عند حدود شخص يتوهم نفسه كاتباً، بل تتجاوز ذلك إلى مجتمع صغير يصنع له الوهم، ويحيطه بالمجاملات، ويحوّل ضعفه إلى شهرة كاذبة. وهنا يصبح الخلل نفسياً واجتماعياً معاً؛ نفسياً لأن المدّعي يَهرب من نقصه إلى قناع مزيّف، واجتماعياً لأن المحيطين به يشاركون، بصمتهم أو تملقهم، في تثبيت هذا القناع.

إن الكتابة ليست زينة خارجية، ولا بطاقة تعريف اجتماعية، ولا وسيلة لاستدرار الإعجاب. الكتابة مسؤولية ووعي وصدق، وقبل ذلك كله موهبة وثقافة واشتغال طويل على اللغة والفكرة. ومن لا يملك هذه الأدوات لا يحق له أن يبني حضوره على سرقة جهد الآخرين، ثم يقف بين الناس متباهياً بما لم يكتبه، ومفتخراً بما لا ينتمي إليه.

ولذلك أقولها بوضوح: من يرى في نفسه قدرة حقيقية على الكتابة، فليتقدم إلى امتحان بسيط، لا يحتاج إلى لجنة كبرى ولا إلى منابر صاخبة. ليكتب، أمام جمع من الناس، منشوراً قصيراً من سطرين فقط، بلا نقل، بلا اقتباس، بلا استعانة بخفاء، عندها سيعرف الجميع أين تقف الحقيقة، وأين يبدأ الزيف. فالمسألة ليست ظلماً لأحد، بل محاولة لكشف ما صار عيباً، بل ألف عيب، في ساحتنا التي تغص بأمثال هؤلاء المتطفلين على الثقافة.

فلنكن واقعيين. إن ما نراه اليوم ليس اختلافاً في مستوى الكتابة، بل صناعة متعمّدة للخداع. هؤلاء ليسوا كتّاباً أخطأوا الطريق، بل جهابذة في الكذب والتزييف، يضحكون على أنفسهم أولاً، ثم على متابعيهم وقرائهم الذين يثقون بقدرات لا تستحق، في ميزان الكتابة الحقيقية، حتى علامة الصفر من عشرة.

وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد للكلمة حرمتها، وللكاتب الحقيقي حقّه، وللقارئ احترامه. فالسكوت عن السرقة الأدبية ليس حياداً، بل مشاركة في الجريمة المعنوية. والرضا بالزيف ليس لطفاً اجتماعياً، بل خيانة للثقافة التي لا تقوم إلا على الصدق، والتعب، والأمانة، وشرف الانتماء إلى الحرف.

كاتب وصحافي سوري

Exit mobile version