حبيب كحالة.. ذكريات في وداع الراحل

ـ 2 ـ
عبد السلام العجيلي

حين بلغني في مقامي البعيد نعي الحبيب الفقيد، وبعد أن تولت لحظات الغصة بالدهشة واللوعة، مرت في خاطري مرور البرق ذكريات مراحل ثلاث من أيامي الغابرة. مراحل ثلاث متباعدة في سياق الزمن ولكنها مرتبطة بذكرى واحدة هي ذكرى حبيب كحالة ومجلته التي كانت وظلت تحمل اسمه مثلما تحمل روحه، مجلة “المضحك المبكي”. وأنا إذ أكتب هذه الكلمات متحدثاً عن حبيب كحالة، متبسطاً بعض الشيء في استعادة وقائع تلك المراحل الثلاث اعتذر من قرائي لتحدثي عن فقيدنا من خلال ذكريات شخصية. فما شخصياتنا غير عدسات مكثفة تمر من خلالها كل أحداث الحياة التي نحياها وانفعالاتنا منها، ومن العبث الهروب من تأثراتنا الشخصية في تقييم الناس والأمور وفي معرفة الحقائق. فما من قيمة مطلقة ولا من رأي تام الموضوعية في هذا الكون مادامت أشخاصنا هي الطريق الحتمية لكل محاكمة ولكل معرفة.
أولى المراحل الثلاث التي ترتبط بها ذكرى حبيب كحالة في نفسي، وفي تكويني، هي مرحلة الصبا والدراسة. كنت أتلقى دراستي الثانوية في حلب صبيانهما إلى المعرفة مثل كثير ممن هم في سني وفي ظروفي، مشدود الأعصاب إلى السياسة مثل كل فتى وكهل وشيخ في سورية آنذاك وماذا كانت السياسة في تلك الأيام؟ كانت الأمة كتلة وطنية واحدة في نضال لا يهدأ مع الأجنبي المحتل لاستقلال البلاد وتوحيد أجزائها المهدّدة دوماً بالبعثرة. وكان الطلاب ينطقون باسمها في المظاهرات والتجار بالإضرابات، كما كانت الصحف وهي الأداة الوحيدة للإعلام، هي لسان الرأي العام وصلة الوصل بين القادة والشعب. من بين تلك الصحف التي كان أصحابها ومحرروها يتعرضون للأذى والاضطهاد من جانب السلطة ويرتفعون في قلوب أبناء وطنهم إلى منزلة الحب والإكبار كانت صحيفة فذّة هي “المضحك المبكي”، تلك المجلة التي اتخذت الضحك سلاحها في أكثر المعارك جدية والتي نفذت بسخريتها إلى أكثر الأهداف تحصناً وترفعاً. فعلى غلاف المضحك المبكي كنت ترى صور الوزراء وقد اتخذت أجسادهم هيئة الحروف بين منطو على نفسه ممثلاً حرف الحاء، أو ملتو بأطرافه ليبدو كحرف الياء، او ذي عمامة طائرة عن رأسه، وكان بين الوزراء شيوخ معممون آنذاك، لتصور عمامته النقطة فوق حرف الضاد. وكان رئيس الوزراء يرسم على غلاف المجلة لابساً طرطوراً حاملاً طبلاً يدق عليه مع أفراد وزارته لحن المارسيلياز، دليللاً على تبعيته الذليلة للفرنسي المنتدب. كما كان المفوض السامي، وهو من هو في القوة والسلطان، يرسم بصور شتی، مضحكة مبكية، أهونها أن يبدو مغلق الفم يتدلى من شفتيه قفل كبير. أما في صفحات المجلة الداخلية فكان الكاريكاتور الساخر والنكتة اللاذعة والضحكات المبطنة بالهجوم العنيف والنقد المر. كان من الطبيعي اذن أن تأخذ تلك المجلة بمجامع قلوب الناس المتعطشين إلى مقارعة الأجنبي الدخيل بكل سلاح، ومنها سلاح الذكاء اللامع والفن والأدب الذي تتضمنه مجلة المضحك المبكي. وكنت أنا من بين أولئك الناس، أتعطش للقاء صباح يوم السبت الذي تصل فيه المجلة إلى حلب، فأقتطع ثمنها من مصروف جيبي الضئيل كتلميذ غريب، وأقتطع وقت قراءتها من دقائق الفرص بين الدروس أو من زمن الجيئة والذهاب من المدرسة البعيدة واليها.
ماذا كان حبيب كحالة بالنسبة إلى التلميذ الصغير الذي كنته في تلك الأيام؟ كان شبه اسطورة تبدو من ثنايا كلمات مجلته وخطوط الرسوم التي كان يرسمها خليل في صفحاتها، ومن خلال جرأته على مؤسسات الدولة الرهيبة ورجالها ذوي الاسماء الرنانة والألقاب الطنانة. وحين كان سيف التعطيل الإداري يضرب ضربته فيحجب المضحك المبكي عن الظهور اسابيع أو شهوراً كنت أحس بأن توقف حبيب كحالة عن أن يضحكنا ويبكينا في أحاديثه عن قضيتنا الكبرى هو احدى محاولات مستعمرنا العقيمة لإسكات وجداننا عن الحياة أو قلوبنا عن النبضان. وحقاً كان حبيب كحالة ككل بطل اسطوري، لا يلبث حتى يعود إلى ميدان الكفاح أمضى سلاحاً وأمر نكتة، لم يوهنه أو يفل من حدّة لذعاته الاضطهاد المعنوي ولا الخسارة المادية.
تلك كانت أولى المراحل الثلاث. وتمر الأيام والأعوام، سبعة عشر عاماً أو ما يقاربها، منذ تلك المرحلة الأولى فإذا بي أنا وصاحب المضحك المبكي، الصحفي شبه الأسطورة في عين تلميذ عام ١٩٣٠ وما بعدها، زميلين متجاورين في مقاعد مجلس النواب سنة ١٩٤٧. في الفترة بين المرحلتين كانت البلاد قد نالت حريتها وتحولت السياسة من النضال الموحد ضد الأجنبي إلى بناء دولة جديدة وعالم أفضل، كما أصبح الساسة الذين كانوا صفاً واحداً ضد المستعمر رجال أحزاب بين موال للحكم ومعارض .. وإذا كنت من جهتي قد شببت عن أن أكون تلميذاً على مقاعد معاهد التعليم فقد ظللت أعد نفسي تلميذاً في مدرسة السياسة أراقب وأتفهم، محتفظاً باستقلالي الشخصي غير منضم إلى صف حزبي. أما صاحب المضحك المبكي فقد ضمّه وفاؤه الماضي الكفاح ومشاركته لرفاق الأمس إلى صفوف الحزب الوطني الذي ورث من الكتلة الوطنية أسمها وأكثرية أقطابها.
وكان التزامه للخط الحزبي كابحاً لانطلاقه في ميدان النقد والتجريح بما كان معروفاً عنه من لذعات بيان وقوة سخرية، إذ كانت الفئة الحاكمة أقرب ما تكون في أشخاصها وسياستها من أشخاص الرفاق القدامى وسياساتهم. ولم يكن حبيب كحالة حديث عهد بتمثيل الأمة في مجالسها التشريعية والسياسية، ولكن كان واضحاً أن كرسي النيابة أضيق في أبعاده من أن يتسع لهذا الصحفي الفذ، وإن صاحب المضحك المبكي غير قادر أن يعطي كل ما عنده في عمل تشريعي محدود بالمواد والبنود أو في عمل سياسي يسيطر عليه التنظيم الحزبي وتنتهي فصوله بالرفض والموافقة المهيئين مسبقاً في الأروقة والكواليس. كنت ألمس هذا بوضوح من الفقيد في وقفاته على منبر المجلس أو في مشاركته في أعمال اللجان. ولكن هذه الفترة التي عرفت ابّانها هذا السياسي القديم والصحفي المتمرس زميلاً يفوقني سناً ومعرفة وتجربة أتاحت لي أن أعرف منه ما لم أكن أعرفه وأنا قارئ لمجلته متتبع لكل ما يكتبه فيها من حكايات ذات مغزى، ومن انتقادات لاذعة باصابتها الهادفة وسخريتها الحامضة، ومن قصص صغيرة بارعة في الاضحاك وحسن الاشارة. في هذه الفترة التي أصفها لم أعرف من حبيب كحالة الاسطورة أو شبهها بل عرفت منه الإنسان … الإنسان الرفيع الخلق الخالص النية الصادق النظرة السليم التصرف.
تلك هي ثانية مراحل معرفتي بحبيب كحالة وتمر الأيام والأعوام من جديد فتشاء الظروف أن يكون من حظي أن تعود مجلة المضحك المبكي إلى ساحة العمل الصحفي والوطني بمرسوم يحمل توقيعي حين كنت وزيراً للإعلام، بعد أن احتجبت أمداً طويلاً في غبار أحداث ضخمة دارت على مسرح العمل السياسي في بلادنا ولفت حرية التعبير فيما لفته. وتلت هذا المتوافق التي خلقته تلك الظروف مناسبات جديدة ربطتني بالصحيفة التي أحببتها فتى ناشئاً وبالرجل الذي قدرته صحفياً كبيراً ثم زميلاً بارزاً وإنساناً يقال عنكم وليست قضية الحرية عندكم بالشكل الذي يهولون أو يتهمون ..!
لقد ذكرت مكاسبي في هذه المرحلة الثالثة من مراحل معرفتي بالأستاذ الحبيب ولم أذكر من بينها عشيات اللقاء التي كنت أقضيها في مجلسه في كل مرة أممت فيها دمشق في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ولا ما كان يدور في تلك العشيات من أحاديث وما كنا نتناقله من أخبار ويضفي على تلك الأخبار من حواش وذيول. فقد تعدت الصلة بيننا في هذه الأعوام مرحلة المعرفة المبنية على الإعجاب إلى علاقة أكثر قرباً وصميمية. بالنسبة إليَّ كانت هذه المرحلة مرحلة الصداقة التي انتهى إليها الإعجاب الذي تلته الصحبة والزمالة. وهذا ما جعل نعي حبيب كحالة يصل إلى نفسي في بلدتي البعيدة أشق ما يكون وأقسى ما يكون. فليس أقسى عليك من أن تفقد العزيز الذي نسجت صداقته لك لا من خيوط العاطفة المجردة وحدها بل من عاطفة بطنها الإعجاب الكبير ثم من المعرفة المجربة المحققة.
نعم لقد كان النعي الذي تلقيته بوفاة هذا الإنسان الكبير نعياً قاسياً وشاقاً. ولكن الموت نهاية كل حي .
وحين تمر الأيام ويمسح الزمن جروح الأسى من صفحات النفوس سيتضاءل الحزن حتماً. ولكن الذي لن يتضاءل في نفسي ونفس كل من خالط الحبيب الفقيد روحه الجميلة وخطته المستقيمة ومدرسته الفريدة في معاناة الحياة ومعاناة السياسة بين مشاغل الحياة. واحسب أن هذا خير عزاء لأهله واخوانه ومحبيه عن فقد لا يمكن أن تحول دونه إرادة إنسان ما دامت هذه سنة الله التي لا محيد عنها في كونه وخلقه.
2/1/1966




