“سوق واقف” عطر الأمكنة
بسام جميدة
تستهويك الأمكنة دائماً في السفر، تخلدها في الذاكرة على شكل مواقف ومناسبات ولحظات ليست عابرة أبداً، تسترجعها كلما هبّت في الروح نسائم الحنين، وتعود إليها كمسافر هدّه التعب لتلقي بنفسك في ربوعها وتصبح كأنها ترياق لاستعادة العافية.
ليست الروايات وحدها هي من تخلد الأمكنة في سردياتها، وتصبح ثيمة الأديب والرواية معاً، ولم تعد القصيدة فقط هي من تحمل روح المكان وأشواقه وهيام قلب الشاعر الذي يجد في ما يكتبه تعبيراً عما يُُخالجه، كما أفصح الشاعر العذب يزيد بن معاوية:
فوالله لولا الله والخوف والرجا
لعانقتها بين الحطيم وزمزم
وقبلتها تسعاُ وتسعين قبلة
براقة بالكف والخد والفم
وهنا أتذكر أمرأ القيس وزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد وقصائدهم المشهورة التي خلدوا فيها الأمكنة.
كل هؤلاء من شعراء وروائيين يجيدون الربط بين المكان ومشاعر القراء، ولكن كرة القدم حاولت أن تسحب من بين أناملهم رهافة الكلم وخطوط القلم، لتجسد هذه الروابط بشكل متين دون وصف أو كلمات أو روايات وقصائد، بل بمباريات وبطولات وأهازيج وهتافات تصبح علامة فارقة في حياة الشعوب، وقد استطاعت وبقوة أن ترسم لنفسها هذه الملامح وتسرق هذه الثيمة من بواطن الكتب.
لن استعرض هنا كل الأمكنة التي شدت الجماهير إليها عبر المحافل الرياضية فهي كثيرة، وسردها يستحق الصفحات الطويلة لما لها من تأثير وتأثر وأثر، ولكنني سأتوقف عند معلم من هذه المعالم في دولة قطر التي أكتب منها وعنها.
أكتب عن “سوق واقف” الذي أتعب قدماي وأنا أتجول فيه بصحبة أحبّة، وصورت فيه أجمل الذكريات وأصدق اللحظات، وكتبت عنه سابقاً أجمل المقالات.
“سوق واقف” بكل ما فيه، شاهد عيان على كرنفالات الفوز، وفيه أيضاً يمسح الخاسرون آثار التعب ومرارة الخسارة، وهنا تتبدل مهام الأماكن لتصبح رموزاً يتغنى بها الجميع بالوحدة العربية والسلام والأمان، فقد أصبح جامعة عربية، وأكثر من ذلك بكثير وهو يجمع الأشقاء في سوق واحد، ومقهى واحد وعلى طاولة واحدة يتبادلون الحوار الراقي، ويتخاصمون بلطف حول هدف أو “فاول” ومن ثم يشربون معا شاي “الكرك” ويواصلون السعادة؛ ولم يكن كذلك فقط بل مكان للقاء الشعوب وهي تلبي الشغف من كل حدب وصوب لتتابع البطولات، وكلمة سر التلاقي دائماً “سوق واقف”.
السير فيه ليس بهذه السهولة، فلن تستطيع أن تحث الخطا أبداً لتلحق موعداً، ليس بسبب كثافة المارة وتلاقي الكتف بالكتف، بل كل ما فيه يجبرك على أن تتوقف لتحدق بالتفاصيل والعناوين وأسماء المحلات فيه، ثمة ما يشدك إليه من عناوين المحلات، “أم علي” ليس مجرد أسم لامرأة عابرة، بل هو أسم أكلة محبّبة تستلذّ بها حصراً في الدوحة، ولكنه في سوق واقف أسم لأشهر محل يُقدم المأكولات التراثية المحبّبة ويجاوره مقاه ومطاعم أخرى لا تقل جودة.
سوق واقف بما يمتاز به من عراقة تعود لأكثر من مئة عام استفاد منه القطريون بخبرتهم ليكون مجمعاً شعبياً يَضمّ الفعاليات كلها ويمزج بين الأصالة والحداثة بطريقة متناسقة وكأن هناك من ينسج الحكايا برهافة نساج ماهر..
أنه ليس مجرد سوق لقضاء وقت ممتع، ومكان للفرح والتخلص من هواجس كرة القدم بما تلقيه عليك من تعب، فمنه تفوح رائحة العطور والتوابل معاً؛ والمشغولات اليدوية والحلى تشكل لوحة فنية بارزة قد يعجز أعتى الرسامين عن رسمها بهذه التقانة، وسيلفت أنتباهك وسط السوق مرسم الفنان العالمي العراقي بلال الدوري بلوحاته المميزة، ولن تستطيع أن تحيد عينيك عنه حتى لو عبرت من أمامك أجمل فتاة جاءت لتتعطر من مسك هذا السوق.
ثمّة ما يجذبك إلى هذا المكان في نهاياته، هناك رائحة البحر، والكورنيش الذي يتلألأ كعقد على جيد امرأة فائقة الحسن.
تشدك أحاديث يتردد صداها في أذنيك، فكيف إن كانت قصيدة من كلمات مطرزة بلسان حسناء تونسية أو مغاربية أو شامية أو خليجية أو مصرية وهي ترسل من عينيها كل بحور الشعر لتغرق فيها، وأنت القادم إلى هنا بزي بحّار لا يجيد البقاء بعيداً عن مراسي القلب، بل يعرف فقط كيف يصوغ من هاتيك العينين مقالاً يُحلق فيه بعيداً عن هموم هذا الكون.
*كاتب وصحافي سوري مقيم في برلين

